الغزالي

195

إحياء علوم الدين

البهائم والحيوانات * ( والْحَرْثِ ) * « 1 » وهو النبات والزرع فهذه هي أعيان الدنيا ، إلا أن لها مع العبد علاقتين ، علاقة مع القلب ، وهو حبه لها وحظه منها ، وانصراف همه إليها حتى يصير قلبه كالعبد ، أو المحب المستهتر بالدنيا ويدخل في هذه العلاقة جميع صفات القلب المعلقة بالدنيا ، كالكبر ، والغل ، والحسد والرياء ، والسمعة وسوء الظن ، والمداهنة ، وحب الثناء ، وحب التكاثر والتفاخر ، وهذه هي الدنيا الباطنة وأما الظاهرة فهي الأعيان التي ذكرناها ، العلاقة الثانية مع البدن ، وهو اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان ، لتصلح لحظوظه وحظوظ غيره ، وهي جملة الصناعات والحرف التي الخلق مشغلون بها . والخلق إنما نسوا أنفسهم ، ومآبهم ، ومنقلبهم بالدنيا ، لهاتين العلاقتين ، علاقة القلب بالحب ، وعلاقة البدن بالشغل . ولو عرف نفسه ، وعرف ربه ، وعرف حكمة الدنيا وسرها ، علم أن هذه الأعيان التي سميناها دنيا ، لم تخلق إلا لعلف الدابة التي يسير بها إلى الله تعالى . وأعنى بالدابة البدن . فإنه لا يبقى إلا بمطعم ، ومشرب ، وملبس ، ومسكن . كما لا يبقى الجمل في طريق الحج إلا بعلف ، وماء ، وجلال ومثال العبد في الدنيا في نسيانه نفسه ومقصده ، مثال الحاج الذي يقف في منازل الطريق ، ولا يزال يعلف الناقة ، ويتعهدها ، وينظفها ، ويكسوها ألوان الثياب ، ويحمل إليها أنواع الحشيش ، ويبرد لها الماء بالثلج ، حتى تفوته القافلة ، وهو غافل عن الحج وعن مرور القافلة ، وعن بقائه في البادية فريسة للسباع هو وناقته . والحاج البصير لا يهمه من أمر الجمل إلا القدر الذي يقوى به على المشي ، فيتعهده وقلبه إلى الكعبة والحج . وإنما يلتفت إلى الناقة بقدر الضرورة . فكذلك البصير في السفر الآخرة ، لا يشتغل بتعهد البدن إلا بالضرورة ، كما لا يدخل بيت الماء إلا لضرورة . ولا فرق بين إدخال الطعام في البطن وبين إخراجه من البطن ، في أن كل واحد منهما ضرورة البدن ، ومن همته ما يدخل بطنه فقيمته ما يخرج منها . وأكثر ما شغل الناس عن الله تعالى هو البطن . فإن القوت ضروري وأمر المسكن والملبس أهون . ولو عرفوا سبب الحاجة إلى هذه الأمور ، واقتصروا عليه لم تستغرقهم أشغال الدنيا . وإنما استغرقتهم لجهلهم بالدنيا وحكمتها ، وحظوظهم منها . ولكنهم

--> « 1 » آل عمران : 14