الغزالي
196
إحياء علوم الدين
جهلوا وغفلوا ، وتتابعت أشغال الدنيا عليهم ، واتصل بعضها ببعض ، وتداعت إلى غير نهاية محدودة ، فتاهوا في كثرة الأشغال ، ونسوا مقاصدها . ونحن نذكر تفاصيل أشغال الدنيا ، وكيفية حدوث الحاجة إليها ، وكيفية غلط الناس في مقاصدها ، حتى تتضح لك أشغال الدنيا كيف صرفت الخلق عن الله تعالى ، وكيف أنستهم عاقبة أمورهم فنقول : الأشغال الدنيوية هي الحرف ، والصناعات ، والأعمال التي ترى الخلق منكبين عليها وسبب كثرة الأشغال ، هو أن الإنسان مضطر إلى ثلاث ، القوت ، والمسكن ، والملبس فالقوت للغذاء والبقاء ، والملبس لدفع الحر والبرد ، والمسكن لدفع الحر والبرد ، ولدفع أسباب الهلاك عن الأهل والمال . ولم يخلق الله القوت ، والمسكن ، والملبس ، مصلحا بحيث يستغنى عن صنعة الإنسان فيه . نعم خلق ذلك للبهائم ، فإن النبات يغذى الحيوان من غير طبخ ، والحر والبرد لا يؤثر في بدنه ، فيستغنى عن البناء ، ويقنع بالصحراء ، ولباسها شعورها وجلودها ، فتستغني عن اللباس . والإنسان ليس كذلك ، فحدثت الحاجة لذلك إلى خمس صناعات ، هي أصول الصناعات ، وأوائل الأشغال الدنيوية ، وهي الفلاحة ، والرعاية ، والاقتناص ، والحياكة ، والبناء . أما البناء فللمسكن . والحياكة وما يكتنفها من أمر الغزل والخياطة ، فللملبس . والفلاحة للمطعم . والرعاية للمواشي . والخيل أيضا للمطعم والمركب . والاقتناص نعني به تحصيل ما خلقه الله من صيد ، أو معدن ، أو حشيش ، أو حطب فالفلاح يحصل النباتات ، والراعي يحفظ الحيوانات ويستنتجها ، والمقتنص يحصل ما نبت ونتج بنفسه من غير صنع آدمي . وكذلك يأخذ من معادن الأرض ما خلق فيها من غير صنعة آدمي . ونعني بالاقتناص ذلك ويدخل تحته صناعات وأشغال عدة ثم هذه الصناعات تفتقر إلى أدوات وآلات ، كالحياكة ، والفلاحة ، والبناء ، والاقتناص والآلات إنما تؤخذ إما من النبات وهو الأخشاب ، أو من المعادن كالحديد والرصاص وغيرهما أو من جلود الحيوانات فحدثت الحاجة إلى ثلاثة أنواع أخر من الصناعات ، النجارة ، والحدادة والخرز : وهؤلاء هم عمال الآلات . ونعني بالنجار كل عامل في الخشب كيفما كان . وبالحداد كل عامل في الحديد وجواهر المعادن حتى النحاس والابرى وغيرهما . وغرضنا ذكر الأجناس فأما آحاد الحرف فكثيرة وأما الخراز ، فنعني به كل عامل في جلود الحيوانات وأجزائها .