الغزالي
190
إحياء علوم الدين
أو الحمية لصحة البدن . أو الاشتهار بالزهد ، فقد صار هذا من الدنيا بالمعنى ، وإن كان يظن بصورته أنه لله تعالى . ومنها ما صورته لحظ النفس ، ويمكن أن يكون معناه لله . وذلك كالأكل ، والنكاح ، وكل ما يرتبط به بقاؤه وبقاء ولده . فإن كان القصد حظ النفس ، فهو من الدنيا . وإن كان القصد الاستعانة به على التقوى ، فهو لله بمعناه ، وإن كانت صورته صورة الدنيا . قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « من طلب الدّنيا حلالا مكاثرا مفاخرا لقى الله وهو عليه غضبان ومن طلبها استعفافا عن المسألة وصيانة لنفسه جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر » فانظر كيف اختلف ذلك بالقصد فإذا الدنيا حظ نفسك العاجل ، الذي لا حاجة إليه لأمر الآخرة ، ويعبر عنه بالهوى ، وإليه الإشارة بقوله تعالى * ( ونَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ) * « 1 » ومجامع الهوى خمسة أمور ، وهي ما جمعه الله تعالى في قوله * ( أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وتَكاثُرٌ في الأَمْوالِ والأَوْلادِ ) * « 2 » والأعيان التي تحصل منها هذه الخمسة سبعة ، يجمعها قوله تعالى * ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ من النِّساءِ والْبَنِينَ والْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ من الذَّهَبِ والْفِضَّةِ والْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ والأَنْعامِ والْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا ) * « 3 » . فقد عرفت أن كل ما هو لله فليس من الدنيا . وقدر ضرورة القوت ، وما لا بد منه من مسكن وملبس ، هو لله إن قصد به وجه الله . والاستكثار منه تنعم ، وهو لغير الله . وبين التنعم والضرورة درجة يعبر عنها بالحاجة ، ولها طرفان وواسطة . طرف يقرب من حد الضرورة فلا يضر ، فإن الاقتصار على حد الضرورة غير ممكن . وطرف يزاحم جانب التنعم ويقرب منه ، وينبغي أن يحذر منه . وبينهما وسائط متشابهة ، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه . والحزم في الحذر والتقوى ، والتقرب من حد الضرورة ما أمكن ، اقتداء بالأنبياء والأولياء عليهم السلام ، إذ كانوا يردون أنفسهم إلى حد الضرورة حتى أن أويسا القرني ، كان يظن أهله أنه مجنون ، لشدة تضييقه على نفسه ، فبنوا له بيتا
--> « 1 » النازعات : 41 « 2 » الحديد : 20 « 3 » آل عمران : 14