الغزالي
191
إحياء علوم الدين
على باب دارهم ، فكان يأتي عليهم السنة ، والسنتان ، والثلاث ، لا يرون له وجها . وكان يخرج أول الأذان ، ويأتي إلى منزله بعد العشاء الآخرة . وكان طعامه أن يلتقط النوى ، وكلما أصاب حشفة خبأها لإفطاره ، وإن لم يصب ما يقوته من الحشف باع النوى ، واشترى بثمنه ما يقوته . وكان لباسه مما يلتقط من المزابل من قطع الأكسية ، فيغسلها في الفرات ويلفق بعضها إلى بعض ، ثم يلبسها . فكان ذلك لباسه . وكان ربما مر الصبيان ، فيرمونه ويظنون أنه مجنون ، فيقول لهم ، يا إخوتاه ، إن كنتم ولا بد أن ترموني ، فارمونى بأحجار صغار ، فإني أخاف أن تدموا عقبي ، فيحضر وقت الصلاة ولا أصيب الماء . فهكذا كانت سيرته . ولقد عظم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ، فقال [ 1 ] « إنّى لأجد نفس الرّحمن من جانب اليمن » إشارة إليه رحمه الله . ولما ولى الخلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : أيها الناس ، من كان منكم من العراق فليقم . قال فقاموا . فقال اجلسوا إلَّا من كان من أهل الكوفة . فجلسوا . فقال اجلسوا إلا من كان من مراد ، فجلسوا . فقال اجلسوا إلا من كان من قرن . فجلسوا كلهم إلا رجلا واحدا . فقال له عمر ، أرني أنت ؟ فقال نعم . فقال أتعرف أويس بن عامر القرني ؟ فوصفه له ، فقال نعم ، وما ذاك تسأل عنه يا أمير المؤمنين ! والله ما فينا أحمق منه ، ولا أجن منه ، ولا أوحش منه ، ولا أدنى منه . فبكى عمر رضي الله عنه ثم قال ، ما قلت ما قلت إلا لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] يقول ، يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر . فقال هرم بن حبان ، لما سمعت هذا القول من عمر بن الخطاب ، قدمت الكوفة . فلم يكن لي هم إلا أن أطلب أويسا القرني ، وأسأل عنه ، حتى سقطت عليه جالسا على شاطئ الفرات نصف النهار ، يتوضأ ويغسل ثوبه . قال فعرفته بالنعت الذي نعت لي ، فإذا رجل لحيم شديد الأدمة ، محلوق الرأس ، كث اللحية ، متغير جدا ، كريه الوجه ، متهيب المنظر . قال فسلمت عليه ، فرد علىّ السلام ونظر إلىّ . فقلت حياك الله من رجل . ومددت يدي لأصافحه ،