الغزالي
179
إحياء علوم الدين
والأبد ، حتى تعلم أنه أقل من منزل قصير ، في سفر بعيد . ولذلك قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « مالي وللدّنيا وإنّما مثلي ومثل الدّنيا كمثل راكب سار في يوم صائف فرفعت له شجرة فقال تحت ظلَّها ساعة ثمّ راح وتركها » ومن رأى الدنيا بهذه العين لم يركن إليها ولم يبال كيف انقضت أيامه ، في ضر وضيق ، أو في سعة ورفاهية . بل لا يبنى لبنة على لبنة توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 2 ] ، وما وضع لبنة على لبنة ، ولا قصبة على قصبة [ 3 ] . ورأى بعض الصحابة يبنى بيتا من جص ، فقال أرى الأمر أعجل من هذا ، وأنكر ذلك وإلى هذا أشار عيسى عليه السلام حيث قال ، الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمروها . وهو مثال واضح ، فإن الحياة الدنيا معبر إلى الآخرة ، والمهد هو الميل الأول على رأس القنطرة واللحد هو الميل الآخر وبينهما مسافة محدودة . فمن الناس من قطع نصف القنطرة ، ومنهم من قطع ثلثها ، ومنهم من قطع ثلثيها ، ومنهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة وهو غافل عنها . وكيفما كان فلا بد له من العبور والبناء على القنطرة ، وتزيينها بأصناف الزينة ، وأنت عابر عليها ، غاية الجهل والخذلان مثال آخر للدنيا في لين موردها ، وخشونة مصدرها اعلم أن أوائل الدنيا تبدو هينة لينة ، يظن الخائض فيها أن حلاوة خفضها كحلاوة الخوض فيها ، وهيهات . فإن الخوض في الدنيا سهل ، والخروج منها مع السلامة شديد . وقد كتب علي رضي الله عنه ، إلى سلمان الفارسي بمثالها فقال ، مثل الدنيا مثل الحية ، لين مسها ، ويقتل سمها . فأعرض عما يعجبك منها . لقلة ما يصحبك منها وضع عنك همومها . بما أيقنت من فراقها وكن أسرّ ما تكون فيها ، أحذر ما تكون لها . فإن صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصه عنه مكروه والسلام