الغزالي
180
إحياء علوم الدين
مثال آخر للدنيا ، في تعذر الخلاص من تبعتها بعد الخوض فيها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إنّما مثل صاحب الدّنيا كالماشي في الماء هل يستطيع الَّذي يمشى في الماء أن لا تبتلّ قدماه » وهذا يعرفك جهالة قوم ظنوا أنهم يخوضون في نعيم الدنيا بأبدانهم ، وقلوبهم منها مطهرة ، وعلائقها عن بواطنهم منقطعة ، وذلك مكيدة من الشيطان . بل لو أخرجوا مما هم فيه ، لكانوا من أعظم المتفجعين بفراقها . فكما أن المشي على الماء يقتضي بللا لا محالة يلتصق بالقدم ، فكذلك ملابسة الدنيا تقتضي علاقة وظلمة في القلب . بل علاقة الدنيا مع القلب تمنع حلاوة العبادة . قال عيسى عليه السلام : بحق أقول لكم ، كما ينظر المريض إلى الطعام فلا يلتذ به من شدة الوجع ، كذلك صاحب الدنيا ، لا يلتذ بالعبادة ، ولا يجد حلاوتها مع ما يجد من حب الدنيا . وبحق أقول لكم ، إن الدابة إذا لم تركب وتمتهن ، تصعب ويتغير خلقها . كذلك القلوب إذا لم ترفق بذكر الموت ، ونصب العبادة ، تقسو وتغلظ . وبحق أقول لكم ، إن الزق ما لم ينخرق أو يقحل يوشك أن يكون وعاء للعسل . كذلك القلوب ما لم تخرقها الشهوات ، أو يدنسها الطمع أو يقسيها النعيم ، فسوف تكون أوعية للحكمة . وقال النبي صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « إنّما بقي من الدّنيا بلاء وفتنة وإنّما مثل عمل أحدكم كمثل الوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله وإذا خبث أعلاه خبث أسفله » مثال آخر لما بقي من الدنيا وقلته بالإضافة إلى ما سبق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 3 ] « مثل هذه الدّنيا مثل ثوب شقّ من أوّله إلى آخره فبقي متعلَّقا بخيط في آخره فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع »