الغزالي

175

إحياء علوم الدين

بعد الحياة أمواتا ، وبعد نضارة العيش رفاتا ، فجع بهم الأحباب ، وسكنوا تحت التراب وظعنوا فليس لهم إياب ، هيهات هيهات * ( كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها ومن وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) * « 1 » فكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه ، من البلى والوحدة في دار المثوى وارتهنتم في ذلك المضجع ، وضمكم ذلك المستودع ، فكيف بكم لو عاينتم الأمور ، وبعثرت القبور ، وحصل ما في الصدور ، وأوقفتم للتحصيل ، بين يدي الملك الجليل . فطارت القلوب لإشفاقها من سالف الذنوب ، وهتكت عنكم الحجب والأستار ، وظهرت منكم العيوب والأسرار ، هنا لك تجزى كل نفس بما كسبت . إن الله عز وجل يقول * ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) * « 2 » وقال تعالى * ( ووُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيه ِ ) * « 3 » الآية جعلنا الله وإياكم عاملين بكتابه ، متبعين لأوليائه حتى يحلنا وإياكم دار المقامة من فضله ، إنه حميد مجيد . وقال بعض الحكماء ، الأيام سهام والناس أغراض ، والدهر يرميك كل يوم بسهامه ، ويخترمك بلياليه وأيامه ، حتى يستغرق جميع أجزائك . فكيف بقاء سلامتك ، مع وقوع الأيام بك ، وسرعة الليالي في بدنك لو كشف لك عما أحدثت الأيام فيك من النقص ، لاستوحشت من كل يوم يأتي عليك واستثقلت ممر الساعات بك ولكن تدبير الله فوق تدبير الاعتبار ، وبالسلو عن غوائل الدنيا وجد طعم لذاتها ، وإنها لأمرّ من العلقم إذا عجنها الحكيم . وقد أعيت الواصف لعيوبها بظاهر أفعالها ، وما تأتي به من العجائب ، أكثر مما يحيط به الواعظ ، اللهم أرشدنا إلى الصواب وقال بعض الحكماء ، وقد استوصف الدنيا وقدر بقائها فقال ، الدنيا وقتك الذي يرجع إليك فيه طرفك ، لأن ما مضى عنك فقد فاتك إدراكه ، وما لم يأت فلا علم لك به . والدهر يوم مقبل تنعاه ليلته ، وتطويه ساعاته ، وأحداثه تتوالى على الإنسان بالتغيير والنقصان والدهر موكل بتشتيت الجماعات ، وانخرام الشمل ، وتنقل الدول . والأمل طويل ، والعمر قصير ، وإلى الله تصير الأمور : وخطب عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه فقال يا أيها الناس ، إنكم خلقتم لأمر إن كنتم تصدقون به فإنكم حمقى ، وإن كنتم تكذبون به فإنكم هلكى . إنما خلقتم للأبد ، ولكنكم من دار إلى دار تنقلون عباد الله ، إنكم

--> « 1 » المؤمنون : 100 « 2 » النجم : 31 « 3 » الكهف : 49