الغزالي
176
إحياء علوم الدين
في دار لكم فيها من طعامكم غصص ، ومن شرابكم شرق ، لا تصفو لكم نعمة تسرون بها إلَّا بفراق أخرى تكرهون فراقها فاعملوا لما أنتم صائرون إليه ، وخالدون فيه . ثم غلبه البكاء ونزل وقال علي كرم الله وجهه في خطبته ، أوصيكم بتقوى الله ، والترك للدنيا التاركة لكم وإن كنتم لا تحبون تركها ، المبلية أجسامكم ، وأنتم تريدون تجديدها . فإنما مثلكم ومثلها كمثل قوم في سفر ، سلكوا طريقا وكأنهم قد قطعوه ، وأفضوا إلى علم فكأنهم بلغوه . وكم عسى أن يجرى المجرى حتى ينتهى إلى الغاية ، وكم عسى أن يبقى من له يوم في الدنيا وطالب حثيث يطلبه حتى يفارقها . فلا تجزعوا لبؤسها وضرائها فإنه إلى انقطاع ، ولا تفرحوا بمتاعها ونعمائها فإنه إلى زوال . عجبت لطالب الدنيا والموت يطلبه ، وغافل وليس بمغفول عنه وقال محمد بن الحسين ، لما علم أهل الفضل والعلم والمعرفة والأدب أن الله عز وجل قد أهان الدنيا ، وأنه لم يرضها لأوليائه ، وأنها عنده حقيرة قليلة ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم زهد فيها ، وحذر أصحابه من فتنتها ، أكلوا منها قصدا ، وقدموا فضلا وأخذوا منها ما يكفي ، وتركوا ما يلهى . لبسوا من الثياب ما ستر العورة ، وأكلوا من الطعام أدناه مما سد الجوعة ، ونظروا إلى الدنيا بعين أنها فانية ، وإلى الآخرة أنها باقية ، فتزودوا من الدنيا كزاد الراكب ، فخربوا الدنيا ، وعمروا بها الآخرة . ونظروا إلى الآخرة بقلوبهم ، فعلموا أنهم سينظرون إليها بأعينهم ، فارتحلوا إليها بقلوبهم ، لما علموا أنهم سيرتحلون إليها بأبدانهم . تعبوا قليلا ، وتنعموا طويلا . كل ذلك بتوفيق مولاهم الكريم ، أحبوا ما أحب لهم وكرهوا ما كره لهم بيان صفة الدنيا بالأمثلة اعلم أن الدنيا سريعة الفناء ، قريبة الانقضاء ، تعد بالبقاء ، ثم تخلف في الوفاء . تنظر إليها فتراها ساكنة مستقرة ، وهي سائرة سيرا عنيفا ، ومرتحلة ارتحالا سريعا . ولكن الناظر إليها قد لا يحس بحركتها ، فيطمئن إليها . وإنما يحس عند انقضاها ومثالها الظل ، فإنه متحرك ساكن متحرك في الحقيقة ، ساكن في الظاهر ، لا تدرك حركته بالبصر الظاهر ، بل بالبصيرة الباطنة . ولما ذكرت الدنيا عند الحسن البصري رحمه الله ، أنشد وقال :