الغزالي

174

إحياء علوم الدين

فرعون حين يراها أن قدرته تعجز عما أوتيتما ، لفعلت . ولكني أرغب بكما عن ذلك ، فأزوي ذلك عنكما ، وكذلك أفعل بأوليائي ، إني لأذودهم عن نعيمها ، كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة ، وإني لأجنبهم ملاذها ، كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن منازل الغرة . وما ذاك لهوانهم علىّ ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا . إنما يتزين لي أوليائي بالذل ، والخوف ، والخضوع ، والتقوى تنبت في قلوبهم ، وتظهر على أجسادهم ، فهي ثيابهم التي يلبسون ، ودثارهم الذي يظهرون ، وضميرهم الذي يستشعرون ، ونجاتهم التي بها يفوزون ، ورجاؤهم الذي إياه يأملون ، ومجدهم الذي به يفخرون وسيماهم التي بها يعرفون . فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك ، وذلل لهم قلبك ولسانك . واعلم أنه من أخاف لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ، ثم أنا الثائر له يوم القيامة . وخطب علي كرم الله وجهه يوما خطبة ، فقال فيها ، اعلموا أنكم ميتون ، ومبعوثون من بعد الموت ، وموقوفون على أعمالكم ، ومجزيون بها . فلا تغرنكم الحياة الدنيا ، فإنها بالبلاء محفوفة ، وبالفناء معروفة ، وبالغدر موصوفة . وكل ما فيها إلى زوال ، وهي بين أهلها دول وسجال . لا تدوم أحوالها ، ولا يسلم من شرها نزالها . بينا أهلها منها في رخاء وسرور إذا هم منها في بلاء وغرور . أحوال مختلفة ، وتارات منصرفة ، العيش فيها مذموم ، والرخاء فيها لا يدوم ، وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ، ترميهم بسهامها ، وتقصيهم بحمامها ، وكل حتفه فيها مقدور ، وحظه فيها موفور . واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم أعمارا ، وأشد منكم بطشا ، وأعمر ديارا ، وأبعد آثارا . فأصبحت أصواتهم هامدة خامدة من بعد طول تقلبها ، وأجسادهم بالية ، وديارهم على عروشها خاوية ، وآثارهم عافية ، واستبدلوا بالقصور المشيدة والسرر والنمارق الممهدة ، الصخور والأحجار المسندة ، في القبور اللاطئة الملحدة ، فمحلها مقترب ، وساكنها مغترب بين أهل عمارة موحشين ، وأهل محلة متشاغلين ، لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون تواصل الجيران والإخوان ، على ما بينهم من قرب المكان والجوار ، ودنو الدار . وكيف يكون بينهم تواصل ، وقد طحنهم بكلكله البلى ، وأكلتهم الجنادل والثرى ، وأصبحوا