الغزالي
173
إحياء علوم الدين
فسرورها مشوب بالأحزان ، لا يرجع منها ما ولى وأدبر ، ولا يدرى ما هو آت ، فينتظر . أمانيها كاذبة ، وآمالها باطلة ، وصفوها كدر ، وعيشها نكد ، وابن آدم فيها على خطر ، إن عقل ونظر . فهو من النعماء على خطر ، ومن البلاء على حذر . فلو كان الخالق لم يخبر عنها خبرا ، ولم يضرب لها مثلا ، لكانت الدنيا قد أيقظت النائم ، ونبهت الغافل فكيف وقد جاء من الله عز وجل عنها زاجر ، وفيها واعظ ، فما لها عند الله جل ثناؤه قدر وما نظر إليها منذ خلقها [ 1 ] . ولقد عرضت على نبيك صلى الله عليه وسلم بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصه ذلك عند الله جناح بعوضة ، فأبى أن يقبلها ، اذكره أن يخالف على الله أمره ، أو يحب ما أبغضه خالقه ، أو يرفع ما وضع مليكه . فزواها عن الصالحين اختبارا ، وبسطها لأعدائه اغترارا ، فيظن المغرور بها ، المقتدر عليها ، أنه أكرم بها ، ونسي ما صنع الله عز وجل بمحمد صلى الله عليه وسلم ، [ 2 ] حين شد الحجر على بطنه ، ولقد جاءت الرواية عنه عن ربه عز وجل ، أنه قال لموسى عليه السلام ، إذا رأيت الغنى مقبلا ، فقل ذنب عجلت عقوبته . وإذا رأيت الفقر مقبلا ، فقل مرحبا بشعار الصالحين . وإن شئت اقتديت بصاحب الروح والكلمة ، عيسى بن مريم عليه السلام ، فإنه كان يقول ، إدامى الجوع ، وشعارى الخوف ، ولباسى الصوف ، وصلائى في الشتاء مشارق الشمس ، وسراجي القمر ، ودابتي رجلاى ، وطعامى وفاكهتي ما أنبتت الأرض ، أبيت وليس لي شيء ، وأصبح وليس لي شيء . وليس على الأرض أحد أغنى منى . وقال وهب بن منبه ، لما بعث الله عز وجل موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون ، قال لا يرو عنكما لباسه الذي لبس من الدنيا ، فإن ناصيته بيدي ، ليس ينطق ، ولا يطرف ، ولا يتنفس إلا بإذني ولا يعجبنكما ما تمتع به منها فإنما هي زهرة الحياة الدنيا ، وزينة المترفين . فلو شئت أن أزينكما بزينة من الدنيا ، يعرف