الغزالي
167
إحياء علوم الدين
هلا تركت من الدنيا معانقة حتى تعانق في الفردوس أبكارا إن كنت تبغي جنان الخلد تسكنها فينبغي لك أن لا تأمن النارا وقال أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه ، لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ، أتت إبليس جنوده فقالوا ، قد بعث نبي وأخرجت أمة . قال يحبون الدنيا ؟ قالوا نعم . قال لئن كانوا يحبون الدنيا ما أبالي أن لا يعبدوا الأوثان : وإنما أغدو عليهم وأروح بثلاث ، أخذ المال من غير حقه ، وإنفاقه في غير حقه ، وإمساكه عن حقه . والشر كله من هذا نبع . وقال رجل لعلى كرم الله وجهه ، يا أمير المؤمنين ، صف لنا الدنيا . قال وما أصف لك من دار من صح فيها سقم ، ومن أمن فيها ندم ، ومن افتقر فيها حزن ، ومن استغنى فيها افتتن ، في حلالها الحساب ، وفي حرامها العقاب ، ومتشابهها العتاب . وقيل له ذلك مرة أخرى فقال ، أطول أم أقصر ؟ فقيل قصر ، فقال حلالها حساب ، وحرامها عذاب وقال مالك بن دينار ، اتقوا السحارة ، فإنها تسحر قلوب العلماء ، يعنى الدنيا . وقال أبو سليمان الداراني ، إذا كانت الآخرة في القلب ، جاءت الدنيا تزاحمها . فإذا كانت الدنيا في القلب ، لم تزاحمها الآخرة ، لأن الآخرة كريمة ، والدنيا لئيمة ، وهذا تشديد عظيم ونرجو أن يكون ما ذكره سيار بن الحكم أصح ، إذ قال ، الدنيا والآخرة يجتمعان في القلب فأيهما غلب كان الآخر تبعا له . وقال مالك بن دينار ، بقدر ما تحزن الدنيا يخرج هم الآخرة من قلبك وبقدر ما تحزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك . وهذا اقتباس مما قاله علي كرم الله وجهه ، حيث قال الدنيا والآخرة ضرتان فبقدر ما ترضى إحداهما تسخط الأخرى وقال الحسن ، والله لقد أدركت أقواما كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه ، ما يبالون أشرقت الدنيا أم غربت ذهبت إلى ذا أو ذهبت إلى ذا . وقال رجل للحسن . ما تقول في رجل آتاه الله مالا ، فهو يتصدق منه ، ويصل منه ، أيحسن له أن يتعيش فيه ، يعنى يتنعم . فقال لا لو كانت له الدنيا كلها ما كان له منها إلا الكفاف ، ويقدم ذلك ليوم فقره وقال الفضيل ، لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت علىّ حلالا ، لا أحاسب عليها في الآخرة لكنت أتقذرها ، كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه . وقيل ، لما قدم عمر رضي الله عنه الشام . فاستقبله أبو عبيدة بن الجراح على ناقة مخطومة بحبل ، فسلم وسأله