الغزالي
168
إحياء علوم الدين
ثم أتى منزله فلم ير فيه إلا سيفه وترسه ورحله ، فقال له عمر رضي الله عنه ، لو اتخذت متاعا فقال يا أمير المؤمنين ، إن هذا يبلغنا المقيل . وقال سفيان ، خذ من الدنيا لبدنك ، وخذ من الآخرة لقلبك ، وقال الحسن ، والله لقد عبدت بنو إسرائيل الأصنام بعد عبادتهم الرحمن بحبهم للدنيا وقال وهب . قرأت في بعض الكتب ، الدنيا غنيمة الأكياس ، وغفلة الجهال ، لم يعرفوها حتى خرجوا منها فسألوا الرجعة فسلم يرجعوا . وقال لقمان لابنه ، يا بني ، إنك استدبرت الدنيا من يوم نزلتها ، واستقبلت الآخرة فأنت إلى دار تقرب منها . أقرب من دار تباعد عنها . وقال سعيد بن مسعود ، إذا رأيت العبد تزداد دنياه ، وتنقص آخرته وهو به راض ، فذلك المغبون ، الذي يلعب بوجهه وهو لا يشعر وقال عمرو بن العاص على المنبر ، [ 1 ] والله ما رأيت قوما قط أرغب فيما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزهد فيه منكم والله ما مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث إلا والذي عليه أكثر من الذي له : وقال الحسن بعد أن تلا قوله تعالى * ( فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ) * « 1 » من قال ذا ؟ قاله من خلقها ، ومن هو اعلم بها . إياكم وما شغل من الدنيا ، فإن الدنيا كثيرة الأشغال ، لا يفتح رجل على نفسه باب شغل ، إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب . وقال أيضا ، مسكين ابن آدم ، رضى بدار حلالها حساب ، وحرامها عذاب ، إن أخذه من حله حوسب به ، وإن أخذه من حرام عذب به . ابن آدم يستقل ماله ، ولا يستقل عمله . يفرح بمصيبته في دينه ، ويجزع من مصيبته في دنياه . وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز ، سلام عليك ، أما بعد . فكأنك بآخر من كتب عليه الموت قد مات . فأجابه عمر ، سلام عليك ، كأنك بالدنيا ولم تكن ، وكأنك بالآخرة لم تزل . وقال الفضيل بن عياض ، الدخول في الدنيا هين ، ولكن الخروج منها شديد . وقال بعضهم ، عجبا لمن يعرف أن الموت حق ، كيف يفرح ! وعجبا لمن يعرف أن النار حق كيف يضحك ! وعجبا لمن رأى تقلب الدنيا بأهلها ، كيف يطمئن إليها ! وعجبا لمن يعلم
--> « 1 » لقمان : 33