الغزالي
162
إحياء علوم الدين
كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم « وقال أبو سعيد الخدري ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] » إنّ أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض « فقيل ما بركات الأرض ؟ قال » زهرة الدّنيا « وقال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] » لا تشغلوا قلوبكم بذكر الدّنيا « فنهى عن ذكرها ، فضلا عن إصابة عينها وقال عمار بن سعيد : مر عيسى عليه السلام بقرية ، فإذا أهلها موتى في الأفنية والطرق فقال يا معشر الحواريين ، إن هؤلاء ماتوا عن سخطة ، ولو ماتوا عن غير ذلك لتدافنوا . فقالوا يا روح الله ، وددنا أن لو علمنا خبرهم . فسأل الله تعالى ، فأوحى إليه ، إذا كان الليل فنادهم يجيبوك . فلما كان الليل ، أشرف على نشز ، ثم نادى يا أهل القرية ، فأجابه مجيب لبيك يا روح الله . فقال ما حالكم وما قصتكم ؟ قال بتنا في عافية ، وأصبحنا في الهاوية . قال وكيف ذاك ؟ قال بحبنا الدنيا ، وطاعتنا أهل المعاصي . قال وكيف كان حبكم الدنيا ؟ قال حب الصبي لأمه إذا أقبلت فرحنا بها ، وإذا أدبرت حزنا وبكينا عليها . قال فما بال أصحابك لم يجيبوني ؟ قال لأنهم ملجمون بلجم من نار ، بأيدي ملائكة غلاظ شداد قال فكيف أجبتني أنت من بينهم ؟ قال لأني كنت فيهم ولم أكن منهم ، فلما نزل بهم العذاب أصابني معهم ، فأنا معلق على شفير جهنم ، لا أدرى أنجو منها أم أكبكب فيها . فقال المسيح للحواريين ، لأكل خبز الشعير بالملح الجريش ، ولبس المسوح ، والنوم على المزابل ، كثير مع عافية الدنيا والآخرة وقال أنس [ 3 ] : كانت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء لا تسبق . فجاء أعرابي بناقة له فسبقها ، فشق ذلك على المسلمين ، فقال صلى الله عليه وسلم « إنّه حقّ على الله أن لا يرفع شيئا من الدّنيا إلَّا وضعه » وقال عيسى عليه السلام ، من الذي يبنى على موج البحر دارا تلكم الدنيا فلا تتخذوها قرارا . وقيل لعيسى عليه السلام علمنا علما واحدا يحبنا الله عليه . قال أبغضوا الدنيا يحبكم الله تعالى .