الغزالي

163

إحياء علوم الدين

وقال أبو الدرداء [ 1 ] ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولهانت عليكم الدّنيا ولآثرتم الآخرة » ثم قال أبو الدرداء من قبل نفسه ، لو تعلمون ما أعلم ، لخرجتم إلى الصعدات تجأرون وتبكون على أنفسكم ، ولتركتم أموالكم لا حارس لها ، ولا راجع إليها إلا ما لا بد لكم منه ، ولكن يغيب عن قلوبكم ذكر الآخرة ، وحضرها الأمل ، فصارت الدنيا أملك بأعمالكم ، وصرتم كالذين لا يعلمون فبعضكم شر من البهائم التي لا تدع هواها مخافة مما في عاقبته . ما لكم لا تحابون ولا تناصحون وأنتم إخوان على دين الله ، ما فرق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم ، ولو اجتمعتم على البر لتحاببتم . ما لكم تناصحون في أمر الدنيا ولا تناصحون في أمر الآخرة ، ولا يملك أحدكم النصيحة لمن يحبه ويعينه على أمر آخرته ما هذا إلا من قلة الإيمان في قلوبكم . لو كنتم توقنون بخير الآخرة وشرها كما توقنون بالدنيا ، لآثرتم طلب الآخرة ، لأنها أملك لأموركم . فإن قلتم حب العاجلة غالب . فإنا نراكم تدعون العاجلة من الدنيا للآجل منها . تكدون أنفسكم بالمشقة والاحتراف ، في طلب أمر لعلكم لا تدركونه ، فبئس القوم أنتم ، ما حققتم إيمانكم بما يعرف به الإيمان البالغ فيكم . فإن كنتم في شك مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، فأتونا لنبين لكم ، ولنريكم من النور ما تطمئن إليه قلوبكم . والله ما أنتم بالمنقوصة عقولكم فنعذركم . إنكم تستبينون صواب الرأي في دنياكم ، وتأخذون بالحزم في أموركم ، ما لكم تفرحون باليسير من الدنيا تصيبونه ، وتحزنون على اليسير منها يفوتكم ، حتى يتبين ذلك في وجوهكم ويظهر على ألسنتكم ، وتسمونها المصائب ، وتقيمون فيها المآتم ، وعامتكم قد تركوا كثيرا من دينهم ، ثم لا يتبين ذلك في وجوهكم ، ولا يتغير حالكم . إني لأرى الله قد تبرأ منكم يلقى بعضكم بعضا بالسرور ، وكلكم يكره أن يستقبل صاحبه بما يكره ، مخافة أن يستقبله صاحبه بمثله . فاصطحبتم على الغل ، ونبتت مراعيكم على الدمن ، وتصافيتم على رفض الأجل