الغزالي

161

إحياء علوم الدين

الملك إلَّا بالقتل والتّجبّر ولا الغنى إلَّا بالفخر والبخل ولا المحبّة إلَّا باتّباع الهوى ألا فمن أدرك ذلك الزّمان منكم فصبر على الفقر وهو يقدر على الغنى وصبر على البغضاء وهو يقدر على المحبّة وصبر على الذّل وهو يقدر على العزّ لا يريد بذلك إلَّا وجه الله تعالى أعطاه الله ثواب خمسين صدّيقا « . وروى أن عيسى عليه السلام ، اشتد عليه المطر والرعد والبرق يوما ، فجعل يطلب شيئا يلجأ إليه ، فوقعت عينه على خيمة من بعيد ، أتاها فإذا فيها امرأة ، فحاد عنها ، فإذا هو بكهف في جبل ، فأتاه ، فإذا فيه أسد . فوضع يده عليه وقال إلهي جعلت لكل شيء مأوى ، ولم تجعل لي مأوى . فأوحى الله تعالى إليه . مأواك في مستقر رحمتي لأزوجنك يوم القيامة مائة حوراء خلقتها بيدي ، ولأطعمن في عرسك أربعة آلاف عام ، يوم منها كعمر الدنيا ، ولآمرن مناديا ينادى أين الزهاد في الدنيا زوروا عرس الزاهد في الدنيا عيسى بن مريم . وقال عيسى بن مريم عليه السلام ، ويل لصاحب الدنيا . كيف يموت ويتركها وما فيها ، وتغره ويأمنها ، ويثق بها وتخذله . وويل للمغترين ، كيف أرتهم ما يكرهون ، وفارقهم ما يحبون ، وجاءهم ما يوعدون . وويل لمن الدنيا همه ، والخطايا عمله ، كيف يفتضح غدا بذنبه . وقيل أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام يا موسى ، مالك ولدار الظالمين ، إنها ليست لك بدار ، أخرج منها همك ، وفارقها بعقلك ، فبئست الدار هي ، إلا لعامل يعمل فيها ، فنعمت الدار هي يا موسي ، إني مرصد للظالم حتى آخذ منه للمظلوم وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] ، بعث أبا عبيدة بن الجراح ، فجاءه بمال من البحرين ، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة ، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فتعرضوا له ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم ثم قال « أظنّكم سمعتم أنّ أبا عبيدة قدم بشيء ؟ » قالوا أجل يا رسول الله . قال « فأبشروا وأمّلوا ما يسرّكم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكنّى أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدّنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها