الغزالي
154
إحياء علوم الدين
كتاب ذمّ الدنيا وهو الكتاب السادس من ربع المهلكات من كتب إحياء علوم الدين بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله الذي عرّف أولياءه غوائل الدنيا وآفاتها ، وكشف لهم عن عيوبها وعوراتها ، حتى نظروا في شواهدها وآياتها ، ووزنوا بحسناتها سيئاتها ، فعلموا أنه يزيد منكرها على معروفها ، ولا يفي مرجوها بمخوفها ، ولا يسلم طلوعها من كسوفها . ولكنها في صورة امرأة مليحة ، تستميل الناس بجمالها ، ولها أسرار سوء قبائح تهلك الراغبين في وصالها . ثم هي فرارة عن طلابها ، شحيحة بإقبالها ، وإذا أقبلت لم يؤمن شرها ووبالها . إن أحسنت ساعة ، أساءت سنة . وإن أساءت مرة ، جعلتها سنة . فدوائر إقبالها على التقارب دائرة وتجارة بنيها خاسرة بائرة ، وآفاتها على التوالي لصدور طلابها راشقة ، ومجاري أحوالها بذل طالبيها ناطقة فكل مغرور بها إلى الذل مصيره ، وكل متكبر بها إلى التحسر مسيره . شأنها الهرب من طالبها ، والطلب لهاربها . ومن خدمها فاتته ، ومن أعرض عنها وأتته لا يخلو صفوها عن شوائب الكدورات ، ولا ينفك سرورها عن المنغصات سلامتها تعقب السقم ، وشبابها يسوق إلى الهرم ، ونعيمها لا يثمر إلَّا الحسرة والندم . فهي خداعة مكارة طيارة فرارة ، لا تزال تتزين لطلابها ، حتى إذا صاروا من أحبابها ، كشرت لهم عن أنيابها وشوشت عليهم مناظم أسبابها ، وكشفت لهم عن مكنون عجابها ، فأذاقتهم قواتل سمامها ورشقتهم بصوائب سهامها ، بينما أصحابها منها في سرور وإنعام ، إذ ولت عنهم كأنها أضغاث أحلام ، ثم عكرت عليهم بدواهيها فطحنتهم طحن الحصيد ، ووارتهم في أكفانهم تحت الصعيد . إن ملكت واحدا منهم جميع ما طلعت عليه الشمس ، جعلته حصيدا كأن لم يغن بالأمس . تمنى أصحابها سرورا ، وتعدهم غرورا ، حتى يأملون كثيرا ، ويبنون قصورا ، فتصبح قصورهم قبورا ،