الغزالي
155
إحياء علوم الدين
وجمعهم بورا ، وسعيهم هباء منثورا ، ودعائهم ثبورا ، هذه صفتها وكان أمر الله قدرا مقدورا والصلاة على محمد عبده ورسوله ، المرسل إلى العالمين بشيرا ونذيرا ، وسراجا منيرا ، وعلى من كان من أهله وأصحابه له في الدين ظهيرا . وعلى الظالمين نصيرا ، وسلم تسليما كثيرا أما بعد : فإن الدنيا عدوة لله ، وعدوة لأولياء الله ، وعدوة لأعداء الله أما عداوتها لله ، فإنها قطعت الطريق على عباد الله . ولذلك لم ينظر الله إليها منذ خلقها وأما عداوتها لأولياء الله عز وجل ، فإنها تزينت لهم بزينتها ، وعمتهم بزهرتها ونضارتها حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها وأما عداوتها لأعداء الله ، فإنها استدرجتهم بمكرها وكيدها ، فاقتنصتهم بشبكتها ، حتى وثقوا بها ، وعولوا عليها ، فخزلتهم أحوج ما كانوا إليها ، فاجتنوا منها حسرة تنقطع دونها الأكباد ، ثم حرمتهم السعادة أبد الآباد ، فهم على فراقها يتحسرون ، ومن مكايدها يستغيثون ولا يغاثون ، بل يقال لهم اخسئوا فيها ولا تكلمون * ( أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ولا هُمْ يُنْصَرُونَ ) * « 1 » وإذا عظمت غوائل الدنيا وشرورها ، فلا بد أولا من معرفة حقيقة الدنيا ، وما هي ، وما الحكمة في خلقها مع عداوتها ، وما مدخل غرورها وشرورها ، فإن من لا يعرف الشر لا يتقيه ويوشك أن يقع فيه . ونحن نذكر ذم الدنيا ، وأمثلتها وحقيقتها ، وتفصيل معانيها وأصناف الأشغال المتعلقة بها ، ووجه الحاجة إلى أصولها ، وسبب انصراف الخلق عن الله بسبب التشاغل بفضولها إن شاء الله تعالى ، وهو المعين على ما يرتضيه بيان ذم الدنيا الآيات الواردة في ذم الدنيا وأمثلتها كثيرة وأكثر القرءان مشتمل على ذم الدنيا ، وصرف الخلق عنها ، ودعوتهم إلى الآخرة . بل هو مقصود الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولم يبعثوا إلا لذلك فلا حاجة إلى الاستشهاد بآيات القرءان لظهورها ، وإنما نورد بعض الأخبار الواردة فيها
--> « 1 » البقرة : 86