الغزالي

151

إحياء علوم الدين

من ظاهرك بأفعالك الاختيارية ، فأنت حسود عاص بحسدك . وإن كففت ظاهرك بالكلية إلا أنك بباطنك تحب زوال النعمة ، وليس في نفسك كراهة لهذه الحالة ، فأنت أيضا حسود عاص . لأن الحسد صفة القلب لا صفة الفعل . قال الله تعالى * ( ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا ) * « 1 » وقال عز وجل * ( وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً ) * « 2 » وقال * ( إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ) * « 3 » . أما الفعل ، فهو غيبة وكذب ، وهو عمل صادر عن الحسد ، وليس هو عين الحسد . بل محل الحسد القلب دون الجوارح . نعم هذا الحسد ليس مظلمة يجب الاستحلال منها ، بل هو معصية بينك وبين الله تعالى ، وإنما يجب الاستحلال من الأسباب الظاهرة على الجوارح . فأما إذا كففت ظاهرك ، وألزمت مع ذلك قلبك كراهة ما يترشح منه بالطبع ، من حب زوال النعمة ، حتى كأنك تمقت نفسك على ما في طبعها ، فتكون تلك الكراهة من جهة العقل ، في مقابلة الميل من جهة الطبع ، فقد أديت الواجب عليك ، ولا يدخل تحت اختيارك في أغلب الأحوال أكثر من هذا فأما تغيير الطبع ، ليستوي عنده المؤذي والمحسن ، ويكون فرحه أو غمه بما تيسر لهما من نعمة ، أو تنصب عليهما من بلية سواء ، فهذا مما لا يطاوع الطبع عليه ، ما دام ملتفتا إلى حظوظ الدنيا ، إلا أن يصير مستغرقا بحب الله تعالى ، مثل السكران الواله . فقد ينتهى أمره إلى أن لا يلتفت قلبه إلى تفاصيل أحوال العباد ، بل ينظر إلى الكل بعين واحدة ، وهي عين الرحمة . ويرى الكل عباد الله ، وأفعالهم أفعالا لله ، ويراهم مسخرين . وذلك إن كان ، فهو كالبرق الخاطف لا يدوم ، ثم يرجع القلب بعد ذلك إلى طبعه ، ويعود العدو إلى منازعته ، أعنى الشيطان ، فإنه ينازع بالوسوسة . فمهما قابل ذلك بكراهته ، وألزم قلبه هذه الحالة ، فقد أدى ما كلفه . وقد ذهب ذاهبون إلى أنه لا يأثم إذا لم يظهر الحسد على جوارحه ، لما روى عن الحسن ، أنه سئل عن الحسد فقال ، غمه فإنه لا يضرك ما لم تبده . وروى عنه موقوفا

--> « 1 » الحشر : 9 « 2 » النساء : 8 « 3 » آل عمران : 120