الغزالي

152

إحياء علوم الدين

ومرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال « ثلاثة لا يخلو منهنّ المؤمن وله منهنّ مخرج » فمخرجه من الحسد أن لا يبغى . والأولى أن يحمل هذا على ما ذكرناه ، من أن يكون فيه كراهة من جهة الدين والعقل ، في مقابلة حب الطبع لزوال نعمة العدو . وتلك الكراهة تمنعه من البغي والإيذاء ، فإن جميع ما ورد من الأخبار في ذم الحسد ، يدل ظاهره على أن كل حاسد آثم . ثم الحسد عبارة عن صفة القلب لا عن الأفعال فكل من يحب إساءة مسلم فهو حاسد . فإذا كونه آثما بمجرد حسد القلب من غير فعل هو في محل الاجتهاد . وإلا ظهر ما ذكرناه من حيث ظواهر الآيات والأخبار ، ومن حيث المعنى . إذ يبعد أن يعفى عن العبد في إرادته إساءة مسلم ، واشتماله بالقلب على ذلك من غير كراهة . وقد عرفت من هذا أن لك في أعدائك ثلاثة أحوال أحدها : أن تحب مساءتهم بطبعك ، وتكره حبك لذلك ، وميل قلبك إليه بعقلك ، وتمقت نفسك عليه ، وتود لو كانت لك حيلة في إزالة ذلك الميل منك ، وهذا معفو عنه قطعا ، لأنه لا يدخل تحت الاختيار أكثر منه الثاني : أن تحب ذلك ، وتظهر الفرح بمساءته ، إما بلسانك أو بحوارحك ، فهذا هو الحسد المحظور قطعا الثالث : وهو بين الطرفين ، أن تحسد بالقلب ، من غير مقت لنفسك على حسدك ، ومن غير إنكار منك على قلبك ، ولكن تحفظ جوارحك عن طاعة الحسد في مقتضاه ، وهذا في محل الخلاف . والظاهر أنه لا يخلو عن إثم ، بقدر قوة ذلك الحب وضعفه ، والله تعالى أعلم . والحمد لله رب العالمين ، وحسبنا الله ونعم الوكيل