الغزالي

142

إحياء علوم الدين

محاسدة . وكذلك في محلتين . نعم إذا تجاورا في مسكن ، أو سوق ، أو مدرسة ، أو مسجد تواردا على مقاصد تتناقض فيها أغراضهما ، فيثور من التناقض التنافر والتباغض ، ومنه تثور بقية أسباب الحسد . ولذلك ترى العالم يحسد العالم دون العابد ، والعابد يحسد العابد دون العالم ، والتاجر يحسد التاجر ، بل الإسكاف يحسد الإسكاف ولا يحسد البزاز ، إلا بسبب آخر سوى الاجتماع في الحرفة . ويحسد الرجل أخاه وابن عمه ، أكثر مما يحسد الأجانب . والمرأة تحسد ضرتها وسرية زوجها ، أكثر مما تحسد أم الزوج وابنته : لأن مقصد البزاز غير مقصد الإسكاف ، فلا يتزاحمون على المقاصد ، إذ مقصد البزاز الثروة ، ولا يحصلها إلا بكثرة الزبون ، وإنما ينازعه فيه بزاز آخر . إذ حريف البزاز لا يطلبه الإسكاف بل البزاز . ثم مزاحمة البزاز المجاور له ، أكثر من مزاحمة البعيد عنه إلى طرف السوق فلا جرم يكون حسده للجار أكثر وكذلك الشجاع يحسد الشجاع ولا يحسد العالم ، لأن مقصده أن يذكر بالشجاعة ويشتهر بها ، وينفرد بهذه الخصلة ، ولا يزاحمه العالم على هذا الغرض . وكذلك يحسد العالم العالم . ولا يحسد الشجاع . ثم حسد الواعظ للواعظ أكثر من حسده للفقيه والطبيب لأن التزاحم بينهما على مقصود واحد أخص فأصل هذه المحاسدات العداوة ، وأصل العداوة التزاحم بينهما على غرض واحد ، والغرض الواحد لا يجمع متباعدين بل متناسبين ، فلذلك يكثر الحسد بينهما . نعم من اشتد حرصه على الجاه ، وأحب الصيت في جميع أطراف العالم بما هو فيه ، فإنه يحسد كل من هو في العالم ، وإن بعد ، ممن يساهمه في الخصلة التي يتفاخر بها . ومنشأ جميع ذلك حب الدنيا ، فإن الدنيا هي التي تضيق على المتزاحمين . أما الآخرة فلا ضيق فيها . وإنما مثال الآخرة نعمة العلم ، فلا جرم من يحب معرفة الله تعالى ، ومعرفة صفاته ، وملائكته ، وأنبيائه ، وملكوت سماواته وأرضه ، لم يحسد غيره إذا عرف ذلك أيضا ، لأن المعرفة لا تضيق عن العارفين ، بل المعلوم الواحد يعلمه ألف ألف عالم ، ويفرح بمعرفته ، ويلتذ به ، ولا تنقص لذة واحد بسبب غيره ، بل يحصل بكثرة العارفين زيادة الأنس ، وثمرة الاستفادة والإفادة فلذلك لا يكون بين علماء الدين محاسدة ، لأن مقصدهم معرفة الله تعالى ، وهو بحر واسع