الغزالي
143
إحياء علوم الدين
لا ضيق فيه وغرضهم المنزلة عند الله تعالى ولا ضيق أيضا فيما عند الله تعالى ، لأن أجمل ما عند الله سبحانه من النعيم لذة لقائه ، وليس فيها ممانعة ومزاحمة ، ولا يضيق بعض الناظرين على بعض ، بل يزيد الأنس بكثرتهم نعم إذا قصد العلماء بالعلم المال ، والجاه ، تحاسدوا ، لأن المال أعيان وأجسام ، إذا وقعت في يد واحد خلت عنها يد الآخر . ومعنى الجاه ملك القلوب . ومهما امتلأ قلب شخص بتعظيم عالم ، انصرف عن تعظيم الآخر ، أو نقص عنه لا محالة ، فيكون ذلك سببا للمحاسدة وإذا امتلأ قلب بالفرح بمعرفة الله تعالى لم يمنع ذلك أن يمتلئ قلب غيره بها ، وأن يفرح بذلك . والفرق بين العلم والمال ، أن المال لا يحل في يد ما لم يرتحل عن اليد الأخرى . والعلم في قلب العالم مستقر ، ويحل في قلب غيره بتعليمه ، من غير أن يرتحل من قلبه . والمال أجسام وأعيان ، ولها نهاية : فلو ملك الإنسان جميع ما في الأرض ، لم يبق بعده مال يتملكه غيره . والعلم لا نهاية له ولا يتصور استيعابه . فمن عود نفسه الفكر في جلال الله وعظمته ، وملكوت أرضه وسمائه ، صار ذلك ألذ عنده من كل نعيم ، ولم يكن ممنوعا منه ، ولا مزاحما فيه ، فلا يكون في قلبه حسد لأحد من الخلق ، لأن غيره أيضا لو عرف مثل معرفته لم ينقص من لذته ، بل زادت لذته بمؤانسته ، فتكون لذة هؤلاء في مطالعة عجائب الملكوت على الدوام ، أعظم من لذة من ينظر إلى أشجار الجنة وبساتينها بالعين الظاهرة . فإن نعيم العارف وجنته معرفته ، التي هي صفة ذاته ، يأمن زوالها ، وهو أبدا يجنى ثمارها . فهو بروحه وقلبه مغتذ بفاكهة علمه ، وهي فاكهة غير مقطوعة ولا ممنوعة ، بل قطوفها دانية . فهو وإن غمض العين الظاهرة ، فروحه أبدا ترتع في جنة عالية ، ورياض زاهرة . فإن فرض كثرة في العارفين ، لم يكونوا متحاسدين ، بل كانوا كما قال فيهم رب العالمين * ( ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ من غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) * « 1 » فهذا حالهم وهم بعد في الدنيا . فما ذا يظن بهم عند انكشاف الغطاء ، ومشاهدة المحبوب في العقبي ! فإذا لا يتصور أن يكون في الجنة محاسدة ولا أن يكون بين أهل الجنة في الدنيا محاسدة ، لأن الجنة لا مضايقة فيها ولا مزاحمة ، ولا تنال إلا بمعرفة الله تعالى ، التي لا مزاحمة فيها في الدنيا أيضا . فأهل الجنة بالضرورة برآء
--> « 1 » الحجر : 47