الغزالي

12

إحياء علوم الدين

وكأنه أنكر عليه ما قدمه على الكلام ، من التشبب ، والمقدمة المصنوعة المتكلفة وهذا أيضا من آفات اللسان ، ويدخل فيه كل سجع متكلف ، وكذلك التفاصيح الخارج عن حد العادة ، وكذلك التكلف بالسجع في المحاورات ، إذ قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة في الجنين ، فقال بعض قوم الجاني ، [ 1 ] كيف ندى من لا شرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل ، ومثل ذلك بطل ! فقال « أسجع كسجع الأعراب » وأنكر ذلك ، لأن أثر التكلف والتصنع بيّن عليه . بل ينبغي أن يقتصر في كل شيء على مقصوده ومقصود الكلام التفهيم للغرض ، وما وراء ذلك تصنع مذموم ولا يدخل في هذه تحسين ألفاظ الخطابة ، والتذكير من غير إفراط وإغراب ، فإن المقصود منها تحريك القلوب وتشويقها ، وقبضها وبسطها ، فلرشاقة اللفظ تأثير فيه ، فهو لائق به . فأما المحاورات التي تجرى لقضاء الحاجات ، فلا يليق بها السجع والتشدق ، والاشتغال به من التكلف المذموم ، ولا باعث عليه إلا الرياء وإظهار الفصاحة ، والتميز بالبراعة ، وكل ذلك مذموم يكرهه الشرع ، ويزجر عنه الآفة السابعة الفحش والسب وبذاءة اللسان وهو مذموم ومنهي عنه ، ومصدره الخبث واللؤم . قال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « إيّاكم والفحش فإنّ الله تعالى لا يحبّ الفحش ولا التّفحّش » [ 3 ] ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن تسب قتلي بدر من المشركين ، فقال « لا تسبّوا هؤلاء فإنّه لا يخلص إليهم شيء