الغزالي
116
إحياء علوم الدين
والفحش والسب ، ما روت عائشة رضي الله عنها ، [ 1 ] أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أرسلن إليه فاطمة ، فجاءت فقالت يا رسول الله ، أرسلني إليك أزواجك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة ، والنبي صلى الله عليه وسلم نائم ، فقال « يا بنيّة أتحبين ما أحبّ ؟ » قالت نعم . قال « فأحبّي هذه » فرجعت إليهن ، فأخبرتهن بذلك ، فقلن ما أغنيت عنا شيئا . فأرسلن زينب بنت جحش ، قالت وهي التي كانت تساميني في الحب ، فجاءت فقالت ، بنت أبي بكر ، وبنت أبي بكر ، فما زالت تذكرني وأنا ساكتة ، أنتظر أن يأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجواب ، فأذن لي . فسببتها حتى جف لساني . فقال النبي صلى الله عليه وسلم « كلَّا إنّها ابنة أبي بكر » يعنى أنك لا تقاومينها في الكلام قط . وقولها سببتها ليس المراد به الفحش ، بل هو الجواب عن كلامها بالحق ، ومقابلتها بالصدق وقال النبي صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « المستبّان ما قالا فعلى البادئ منهما حتّى يعتدى المظلوم » فأثبت للمظلوم انتصارا إلى أن يعتدى . فهذا القدر هو الذي أباحه هؤلاء ، وهو رخصة في الإيذاء جزاء على إيذائه السابق ، ولا تبعد الرخصة في هذا القدر ، ولكن الأفضل تركه ، فإنه يجره إلى ما وراءه ، ولا يمكنه الانتصار على قدر الحق فيه . والسكوت عن أصل الجواب ، لعله أيسر من الشروع في الجواب ، والوقوف على حد الشرع فيه . ولكن من الناس من لا يقدر على ضبط نفسه في فورة الغضب ، ولكن يعود سريعا ، ومنهم من يكف نفسه في الابتداء ولكن يحقد على الدوام والناس في الغضب أربعة ، فبعضهم كالحلفاء ، سريع الوقود سريع الخمود ، وبعضهم كالغضاء ، بطيء الوقود بطيء الخمود ، وهذا هو بطيء الوقود سريع الخمود ، وهو الأحمد ، ما لم ينته إلى فتور الحمية والغيرة . وبعضهم سريع الوقود بطيء الخمود ، وهذا هو شرهم . وفي الخبر [ 3 ] « المؤمن سريع الغضب سريع الرّضا » فهذه بتلك . وقال الشافعي رحمه الله من استغضب فلم يغضب فهو حمار ، ومن استرضى فلم يرض فهو شيطان .