الغزالي

117

إحياء علوم الدين

وقد قال أبو سعيد الخدري [ 1 ] ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ألا إنّ بني آدم خلقوا على طبقات شتّى فمنهم بطيء الغضب سريع الفيء . ومنهم سريع الغضب سريع الفيء ، فتلك بتلك ومنهم سريع الغضب بطيء الفيء ألا وإنّ خيرهم البطيء الغضب السّريع الفيء وشرّهم السّريع الغضب البطيء الفيء » ولما كان الغضب يهيج ويؤثر في كل إنسان ، وجب على السلطان أن لا يعاقب أحدا في حال غضبه ، لأنه ربما يتعدى الواجب ، ولأنه ربما يكون متغيظا عليه ، فيكون متشفيا لغيظه ، ومريحا نفسه من ألم الغيظ ، فيكون صاحب حظ . فينبغي أن يكون انتقامه وانتصاره لله تعالى لا لنفسه . ورأى عمر رضي الله عنه سكران : فأراد أن يأخذه ويعزره ، فشتمه السكران . فرجع عمر . فقيل له يا أمير المؤمنين ، لما شتمك تركته ؟ قال لأنه أغضبني ولو عزرته لكان ذلك لغضبي لنفسي ، ولم أحب أن أضرب مسلما حمية لنفسي . وقال عمر ابن عبد العزيز رحمه الله لرجل أغضبه ، لولا أنك أغضبتنى لعاقبتك القول في معنى الحقد ونتائجه وفضيلة العفو والرفق اعلم أن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفي في الحال ، رجع إلى الباطن واحتقن فيه ، فصار حقدا . ومعنى الحقد أن يلزم قلبه استثقاله ، والبغضة له ، والنفار عنه ، وأن يدوم ذلك ويبقى . وقد قال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] « المؤمن ليس بحقود » فالحقد ثمرة الغضب والحقد يثمر ثمانية أمور : الأول : الحسد ، وهو أن يحملك الحقد على أن تتمنى زوال النعمة عنه ، فتغتم بنعمة إن أصابها ، وتسر بمصيبة إن نزلت به . وهذا من فعل المنافقين ، وسيأتي ذمه إن شاء الله تعالى الثاني : أن تزيد على إضمار الحسد في الباطن ، فتشمت بما أصابه من البلاء الثالث : أن تهجره وتصارمه وتنقطع عنه وإن طلبك وأقبل عليك