الغزالي
115
إحياء علوم الدين
إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « إن امرؤ عيّرك بما فيك فلا تعيّره بما فيه » وقال « المستبّان ما قالا فهو على البادئ ما لم يعتد المظلوم » وقال [ 2 ] « المستبّان شيطانان يتهاتران » وشتم رجل [ 3 ] أبا بكر الصديق رضي الله عنه ، وهو ساكت . فلما ابتدأ ينتصر منه ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال أبو بكر ، إنك كنت ساكتا لما شتمني فلما تكلمت قمت ؟ قال « لأنّ الملك كان يجيب عنك فلمّا تكلمت ذهب الملك وجاء الشّيطان فلم أكن لأجلس في مجلس فيه الشّيطان » وقال قوم تجوز المقابلة بما لا كذب فيه ، وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مقابلة التعيير بمثله نهي تنزيه ، والأفضل تركه ، ولكنه لا يعصى به . والذي يرخص فيه ، أن تقول من أنت ؟ وهل أنت إلا من بني فلان ؟ كما قال سعد لابن مسعود ، وهل أنت إلا من بني هذيل ؟ وقال ابن مسعود وهل أنت إلا من بني أمية ؟ ومثل قوله يا أحمق . قال مطرف ، كل الناس أحمق فيما بينه وبين ربه ، إلا أن بعض الناس أقل حماقة من بعض وقال ابن عمر [ 4 ] في حديث طويل ، حتى ترى الناس كلهم حمقى في ذات الله تعالى وكذلك قوله يا جاهل ، إذ ما من أحد إلا وفيه جهل ، فقد آذاه بما ليس بكذب وكذلك قوله يا سئ الخلق ، يا صفيق الوجه ، يا ثلابا للأعراض ، وكان ذلك فيه . وكذلك قوله لو كان فيك حياء لما تكلمت ، وما أحقرك في عيني بما فعلت ، وأخزاك الله وانتقم منك . فأما النميمة ، والغيبة ، والكذب ، وسب الوالدين ، فحرام بالاتفاق لما روى أنه كان بين خالد بن الوليد وسعد كلام ، فذكر رجل خالدا عند سعد ، فقال سعد مه ، إن ما بيننا لم يبلغ ديننا . يعنى أن يأثم بعضنا في بعض . فلم يسمع السوء ، فكيف يجوز له أن يقوله . والدليل على جواز ما ليس بكذب ولا حرام ، كالنسبة إلى الزنا