محيي الدين الدرويش

28

اعراب القرآن الكريم وبيانه

من قوله : « لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما » ، وقال آخرون من نحويي الكوفة : هو استثناء متصل ، والمعنى ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا أي بكل مكان إلا بموضع حبل من اللّه ، كما تقول ضربت عليهم الذلة في الأمكنة إلا في هذا المكان . وهذا أيضا طلب الحق فأخطأ المفصل ، وذلك أنه زعم أنه استثناء متصل ، ولو كان متصلا كما زعم لوجب أن يكون إذا ثقفوا بحبل من الله وحبل من الناس غير مضروبة عليهم المسكنة ، وليس ذلك صفة اليهود لأنهم أينما ثقفوا بحبل من الله وحبل من الناس أو بغير حبل من الله عزّ وجل وغير حبل من الناس فالذلة مضروبة عليهم ، على ما ذكرنا عن أهل التأويل قبل فلو كان قوله : الا بحبل من اللّه وحبل من الناس ، استثناء متصلا لوجب أن يكون القوم إذا ثقفوا بعهد وذمة أن لا تكون الذلة مضروبة عليهم ، وذلك خلاف ما وصفهم الله به من صفتهم ، وخلاف ما هم به من الصفة ، فقد تبين بذلك فساد قول هذا القائل أيضا . تعليق ابن جرير : وقال أبو جعفر الطبري : ولكن القول عندنا أن الباء في قوله : إلا بحبل من الله ، أدخلت لأن الكلام الذي قبل الاستثناء يقتضي في المعنى الباء ، وذلك أن معنى قوله : ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا : ضربت عليهم الذلة بكل مكان ثقفوا فيه ، ثم قال : إلا بحبل من الله وحبل من الناس ، على غير وجه الاتصال بالأول ، ولكنه على الانقطاع عنه ، ومعناه : ولكن يثقفون بحبل من الله وحبل من الناس ، كما قيل في : « وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ » ف « خطأ » وإن كان منصوبا بما عمل فيما قبل الاستثناء فليس قوله باستثناء متصل بالأول ، بمعنى