السيد محمد حسين فضل الله
40
من وحي القرآن
الساحر ينطلق ، في موقعه ، من خلال اللعبة الفنية التي يتحرك فيها ، ثم تنتهي الإثارة مع انتهاء المشهد . أمّا الإله ، فهو الذي ينطلق من الأسرار الخفية في ذاته ، ومن المعاني الغيبية في قدرته ، لترتبط به قضايا الناس ومصالحهم ومعاشهم . إذا ، لا مجال للمقارنة . ولكن فرعون لم يصل إلى هدفه ، فقد آمن السحرة بموسى عليه السلام ، وفشلت كل خططه في تدمير القوّة الروحيّة التي يتحرك بها موسى عليه السلام في ساحة الدعوة إلى اللَّه ، وانقلب الأمر إلى عكس الخطة ، فقد ربح موسى عليه السلام معركة ردّ التحدي في المشهد المثير بسجود السحرة للَّه عزّ وجلّ ، مما ترك تأثيره على الجماهير هناك ، وأتاح له الفرصة لأن تعرفه الناس في الاجتماع العام ، بعد أن كانت الفرص معدومة أمامه . وهكذا امتد الصراع ، وأخذ موسى عليه السلام موقع القوّة ، وخرج بقومه لينأى بهم عن سيطرة فرعون ، وليؤكد قوّة الرسالة في مواقع جديدة ، وعلى أساس القاعدة الإيمانية التي توجّه المستضعفين إلى البحث عن أرض أخرى يهاجرون إليها ليصنعوا فيها القوّة ، إذا لم يستطيعوا الأخذ بأسباب القوة في أرضهم التي يعيشون عليها ، ليرجعوا إليها بعد ذلك في قوّة جديدة للصراع وللتغيير . ولكن فرعون ظل مصرّا على ملاحقة موسى عليه السلام وقومه ، للتضييق على هذه الحركة الخطرة على سلطانه ، ولقتل موسى عليه السلام ، وتصفية أتباعه في نهاية المطاف . فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى والظاهر أن المراد بالأخذ المعنى الكنائي المعبّر عن الإهلاك والتعذيب في الدنيا والآخرة ، وأما عذاب الأولى ، فهو عذاب جهنم الذي يأتي بعد الموت . . وهذا ما يراد من كلمة « النكال » التي تعني العذاب الذي يردع من سمعه عن تعاطي مثله لفظاعته وشدّته .