السيد محمد حسين فضل الله

22

من وحي القرآن

بل قدّمت النموذج للذة الحسية التي يعيش الناس في الدنيا أحلامها واهتماماتها . لكن الجنة تحمل للمتقين كل شيء مما يشتهونه ومما يدعونه ، ومما لا حصر له من اللذات الحسية أو الروحية التي لم تخطر على قلب البشر . لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً فهناك الحياة النقية الخالصة من العبث الكلامي الذي لا يعبّر عن أي معنى نافع للحياة ، وهناك الصدق الذي لا يسمح للكذب الذي يبتعد عن الحقيقة ، لأنه لا حاجة لما كان الناس في الدنيا يخوضون فيه من اللغو والكذب في مواقع الجدل الذي يقود إلى ذلك . جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً فهي تمثّل الجزاء على العمل ، في ما يستحقه الإنسان من خلال وعد اللَّه له ، كما تمثل العطاء المحسوب بدقة من خلال التفضل الإلهي عليه ، لأنّ الإنسان مملوك للَّه بنفسه وبعمله ، فلا يستحق على اللَّه شيئا إلا من خلال ما يتفضل عليه به . رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الذي يملك الكون كله ، والأمر كله ، فيعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ، الرَّحْمنِ الذي يطل على خلقه من موقع رحمته التي قد تتمثل بالعقاب للطغاة ، وقد تتمثل بالثواب للمتقين . ومهما كانت الرحمة في إيحاءاتها التي تفتح قلوب الناس ومشاعرهم على اللَّه ، حتى ليحسون بالاقتراب منه ، فإن ذلك لا يستوجب زوال الهيبة من نفوسهم ، فهم يقفون بين يديه في موقع الحساب ، ولكن لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً في ما يفعل أو يقول ، ولا يستطيعون الشفاعة لديه ، لأن الأمر له ، فلا يملك أحد معه كلاما في أيّ شأن من الشؤون في مواقع القدرة والجلال .