السيد محمد حسين فضل الله

49

من وحي القرآن

ذلك ، كما يفعل بعض الناس عندما يتحدثون عن أيّ عمل يريدون القيام به في المستقبل ، فيقولون سنفعل ذلك إن شاء اللّه ، أو إلّا أن يشاء اللّه خلافه ، وربما كان المعنى أنهم لم يعتبروا في اتفاقهم نصيبا للفقراء والمساكين ليعزلوه لهم ليكون استثناء من حصتهم . وهكذا عاشوا التمنيات الصباحية في ليلهم الأسود في ثقة كبيرة بأنهم سوف يبلغون ما يريدونه ، فيقطفون ثمار هذه الجنة ليحصلوا منها على المال الوفير . فَطافَ عَلَيْها أي على الجنة طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ في ما يرسله اللّه إلى بعض عباده من البلاء المتنوّع الذي يطوف بأرزاقهم وأجسادهم ، من رياح عاصفة وأمراض فاتكة ، وأوضاع قاسية ، ونيران محرقة وَهُمْ نائِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ أي كالشجر المقطوع ثمره ، أو كالليل الأسود - في المعنى الآخر للصريم - لما اسودّت بإحراق النار التي أرسلها اللّه عليها ، أو كالقطعة من الرمل التي لا نبات فيها ولا فائدة . والمهم في كل هذه المعاني أن الجنة لم تعد لها أيّة نتيجة مادية على مستوى آمالهم الكبيرة . فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ تبعا للاتفاق بينهم ليجتمعوا للذهاب إلى الجنة في بداية الصباح أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ إن كنتم قاصدين لقطع الأثمار من الأشجار . وهكذا استجابوا للنداء فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ في حديث خافت يحذرون فيه أن يسمعهم أحد ، وهم يتآمرون ويتواصون فيما بينهم . أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ من هؤلاء المساكين الذين يتجمعون حول البساتين في مواعيد قطف الثمار ، ليحصلوا على شيء منها من خلال ضغط طلباتهم الملحّة التي قد تحرج أصحابها فيبادرون إلى الاستجابة لهم .