السيد محمد حسين فضل الله

24

من وحي القرآن

تذكير بمصير المكذّبين من قبل وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم السابقة التي تسيرون الآن على خطّها في الكفر والضلال ، غير عائبين بالنتائج الخاسرة على صعيد مستقبلكم ، فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ فهل رأيتم كيف كانت العقوبة الشديدة التي شكّلت المظهر الحيّ لإنكار اللّه عليهم ما فعلوه ، وذلك بإهلاكهم واستئصالهم بمختلف الوسائل ، فكيف تشعرون بالأمن على أنفسكم في أوضاعكم الضالة المستكبرة كلها ؟ ! أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ عندما تبسط أجنحتها في الفضاء حال الطيران وَيَقْبِضْنَ أجنحتهن ، فلا يسقطن بل يبقين في حالة تماسك ، ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ بما أودع في خلقهن وفي الهواء الذي يتحركن معه من قوانين تكفل لهن التحرك بكل أمن وحرّية من دون حاجة إلى أي شيء يتعلقن به حتى لا يسقطن ، تماما كما هي بقية الأشياء من الظواهر الكونية المعلقة في السماء من دون عمد ، ومن المخلوقات الحية في حركتها ، ومن الأرض كيف يمسكها من أن تزول ، ليدرس الإنسان المسألة في نطاقها الظاهري الذي يتعلق به البصر في نظراته البسيطة ، ليدفعه ذلك إلى التفكير بالأسرار الإلهية التي أودعها اللّه في القوانين الطبيعية في الوجود ، ليكتشف ذلك من خلال بحثه وتدقيقه ، ليعرف بذلك عظمة اللّه ، إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ فلا يغيب عنه شيء من خلقه . وقد جاء في الكشاف : « فإن قلت : لم قيل : ويقبضن ، ولم يقل : وقابضات ؟ قلت : لأن الأصل في الطيران هو صف الأجنحة ، لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء ، والأصل في السباحة مدّ الأطراف وبسطها ، وأمّا القبض فطارئ على البسط للاستظهار به على التحرك ، فجيء بما هو طار غير أصل بلفظ الفعل على معنى أنهن صافّات ، ويكون منهن القبض تارة بعد تارة ، كما يكون من السابح » « 1 » وهو توجيه طريف .

--> ( 1 ) الزمخشري ، أبو القاسم ، جار اللّه محمود بن عمر ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون