السيد محمد حسين فضل الله
14
من وحي القرآن
ونهى عنه نظرا ، وإن كان أقلكم تطوّعا » « 1 » . وجاء في الكافي - بإسناده عن سفيان بن عيينة - عن أبي عبد اللّه جعفر الصادق عليه السّلام في قول اللّه عز وجل : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا قال : ليس يعني أكثر عملا ولكن أصوبكم عملا ، وإنما الإصابة خشية اللّه والنية الصادقة والحسنة . ثم قال : الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل ، والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا اللّه عز وجل ، والنية أفضل من العمل ، ألا وإن النية هي العمل ، ثم تلا قوله عز وجل : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ [ الإسراء : 84 ] يعنى على نيته » « 2 » . ونستوحي من ذلك أن العنصر الذي يمنح العمل قيمته ومعناه ، هو وعي العمل في العمق الفكري الذي يقود إليه ، وفي المعنى الروحي الذي يختزنه ويحتويه بما يتمثل في ذلك من سرّ الإخلاص وحقيقة العبودية للّه في شخصية العامل ، وفي النتائج المترتبة عليه في الدنيا والآخرة . ولهذا وردت الأحاديث التي فضّلت الكمية الضئيلة في عبادة العالم الواعي لعبادته على الكمية الكثيرة في عبادة العابد الذي لا ينفتح على الآفاق الواسعة لعبادته ، كما وردت الأحاديث التي تؤكد على أن اللّه يثيب العامل من عباده على مقدار عقله ، الأمر الذي يجعلنا نرى أن العمل في الإسلام ينطلق في مستوى وعي العامل له ، وفي نطاق الدرجة التي يبلغها في امتداد المعاني الروحية في شخصيته ، ليتصاعد العمل في درجته من خلال نموّ الإنسان في وعيه وعقله وانفتاحه على أسرار العقيدة ، في حركة الإيمان والحياة .
--> ( 1 ) الطبرسي ، أبو علي ، الفضل بن الحسن ، مجمع البيان في تفسير القرآن ، دار المعرفة ، بيروت - لبنان ، ط 1 ، 1406 ه - 1986 م ، ج : 10 ، ص : 484 . ( 2 ) الكليني ، الكافي ، دار الكتب الإسلامية - طهران ، ج : 2 ، ص : 16 ، رواية : 4 .