السيد محمد حسين فضل الله

34

من وحي القرآن

وكان أساس دعوته التوحيد الذي يختصر منهج العقيدة الفكري ، ومنهج الممارسة العملي . أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ وقد نلاحظ أن الدعوة إلى توحيد اللّه في العبادة ، تحمل إيحاء عميقا بأن العقيدة ليست حالة تجريدية في الفكر ، بل هي حالة حركية في العقل وفي الحياة ، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أعدّه اللّه للجاحدين به ، والمشركين بعبادته ، في الدنيا والآخرة ، لأنكم لا تملكون حجة على عبادتكم لهذه الأصنام التي اتخذتموها آلهة تعبدونها من دون اللّه جهلا . قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا أي لتصرفنا عن عبادة آلهتنا كذبا وافتراء ، بحديثك عن اللّه الواحد الذي لا ربّ غيره ، ولا عبادة لغيره ، كما تتخيل وتتوهم ، فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ لأننا لا نرى في كلامك إلا التهويل الذي تسعى من خلاله إلى التأثير علينا بالضغط النفسي ، دون أن يكون هناك أيّ أساس لما تتوعد به ، لأنك لا تملك قوة ذاتية ، ولا نرى لك أية قوّة غيبيّة . قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ فلا أملك تفاصيل علم الغيب الذي أحدثكم عنه ، لأنه ليس علما ذاتيا ، أملكه ، بل هو علم يأتيني من ذي علم ، وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ من اللّه العليم الحكيم القادر الذي أمرني أن أبلغكم رسالة التوحيد ، وأنذركم عذاب يوم عظيم ، وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ لأنكم لا تواجهون الأمور المطروحة عليكم بجدّية ومسؤولية كما يفرض العقل ، فالإنسان لا بدّ من أن يفكر في أية فكرة يسمعها ويدخل في حوار حولها مع من يثيرونها ، لا سيّما إذا كانت متصلة بقضايا المصير ، فكيف تقفون هذا الموقف المعاند دون أيّ أساس للعناد ، وكيف تستهينون بالإنذار ، وأنتم لا تعرفون خطورته على حياتكم ؟ ونزل العذاب ، فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ فقد جاء إليهم في صورة سحاب يعرض في الأفق ثم يمتد في الفضاء المطلّ عليهم ، ليستقبل الوديان التي كانت تنتظر المطر الذي يملأ الينابيع ويروي الأرض ، ف قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا فاستقبلوه باستبشار ، كما يستقبل الناس العطشى المطر القادم إليهم