السيد محمد حسين فضل الله
18
من وحي القرآن
[ آل عمران : 49 ] ، وكما جاء في قوله تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 26 - 27 ] ، وهذا ما تؤكده الآية القائلة : إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [ الأنعام : 50 ] . فالوحي هو مصدر معرفة النبي في قضايا العقيدة والشريعة والحياة والدار الآخرة ، ضمن ما يريد اللّه له أن يعلمه لحاجة الرسالة إليه في ساحتها العامة والخاصة . تواصل الوحي قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ في موقفكم هذا الذي يتميز بالعناد القائم على العصبية ، وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ ممن انفتحوا على الحق البارز في الوحي القرآني ، جزاء ثقافته التوراتية التي تحمله على تصديق رسول اللّه في رسالته ، وفي وحي اللّه الذي يبلّغه للناس ، فَآمَنَ عندما رأى عمق الحقيقة في مسألة الإيمان وَاسْتَكْبَرْتُمْ عليه ، فلم تخضعوا للّه في وحيه ورسالاته بعد قيام الحجة عليكم ، الأمر الذي يوحي بأن من يفتح قلبه على آفاق المعرفة ، لا بد من أن يصل إلى الإيمان ، وأنّ من يعيش روح العصبية والاستكبار يبقى في دائرة الجهل والعناد ، بعيدا عن الإيمان . ويقول المفسرون : إن هذه الآيات نزلت في عبد اللّه بن سلام حيث أسلم في المدينة ، وكان عالما كبيرا ممن يملكون ثقافة التوراة في بني إسرائيل « 1 » ، وبذلك تكون هذه الآية مدنيّة داخل السورة المكية . إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الذين ظلموا أنفسهم بالبقاء في ساحة الجهل ، والبعد عن نور المعرفة ، والانطلاق في خط الكفر والشرك والضلال ،
--> ( 1 ) انظر : السيوطي ، جلال الدّين ، الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار الفكر ، بيروت - لبنان ، 1993 م - 1414 ه ، ج : 7 ، ص : 437 - 440 .