السيد محمد حسين فضل الله

19

من وحي القرآن

ورفضوا الأخذ بأسباب الهداية وهي في متناول أيديهم ، مما أغلق باب الهداية الإلهية عنهم ، لأنّ اللّه لا يهدي من يصرّ على اختيار الضلال كنهج لحياته . وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا في معرض تبرير تركهم للإيمان والتأكيد على أنهم يتميزون عن غيرهم في وعي القضايا الفكرية والعملية ، وفي التزامهم بخط الخير الواضح في طبيعته ، وسبقهم الدائم إليه ، وعدم قبولهم تقدّم أحد عليهم في ذلك ، لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ لأننا السابقون إلى الخير في كل المواقع ، لكننا لم نر فيه ملامح الخير للبشرية وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ أي بالقرآن ، أو بالإيمان في مضمونه الفكري والعملي ، فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ أي من الأكاذيب القديمة ومن أساطير الأولين ، ولا يستند قولهم هذا إلى قاعدة فكرية تميز بين الصدق والكذب ، وبين الأسطورة والواقع ، بل إلى عقدة الكبرياء الكامنة في عمق شخصياتهم التي تحاول إعطاء مواقفها السلبية من القضايا بعدا منطقيا بادعاء وجود خلل ما في مضمونها . وهذا هو الأساس في كلامهم المذكور في الفقرة السابقة من الآية : لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ ليصوّروا أن رفضهم للرسالة يتحرك من موقع عدم قبولهم إلا بالخير الذي اكتشفوا أن الدعوة القرآنية لا تمثّله . وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً فقد أنزل اللّه الكتاب على موسى ليكون إماما للناس ، فيكون في الموقع المتقدم الذي يحرك أفكارهم ومواقفهم وأوضاعهم ، لأنه يمثل وحي اللّه مما يصلح أمر الأمة ويبعدها عن الفساد ، كما كان رحمة في مضمونه العقيدي والتشريعي والحركي ، باعتبار أنه يفتح لهم أبواب الخير ، ويغلق عنهم أبواب الشرّ . وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لما قبله من الكتب السماوية ، بما تسعى إليه في مضمونها من تثقيف تدريجي للناس ، وتوعية متحركة لهم ، تلاحق المتغيرات ، والحاجات الجديدة والمواقع المختلفة . ومضمون الكتاب ، في حقائقه الخالدة ، وفي مواقعه المتغيرة ، وفي لغته التي تتنوّع بتنوع مواقع الرسالة التي قد تفرض أن يكون بلغة الأمّة التي أرسل إليها ، لتكون طليعة الرسالة كما يكون