الغزالي
85
إحياء علوم الدين
عن الله تعالى . وإن كان الأغلب على القلب الصفات الملكية ، لم يصغ القلب إلى إغواء الشيطان وتحريضه إياه على العاجلة ، وبتهوينه أمر الآخرة ، بل مال إلى حزب الله تعالى وظهرت الطاعة بموجب ما سبق من القضاء على جوارحه ، فقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن ، أي بين تجاذب هذين الجندين ، وهو الغالب ، أعنى التقلب ، والانتقال من حزب إلى حزب ، أما الثبات على الدوام مع حزب الملائكة ، أو مع حزب الشيطان ، فنادر من الجانبين ، وهذه الطاعات والمعاصي ، تظهر من خزائن الغيب ، إلى عالم الشهادة بواسطة خزانة القلب ، فإنه من خزائن الملكوت ، وهي أيضا إذا ظهرت كانت علامات ، تعرف أرباب القلوب ، سابق القضاء ، فمن خلق للجنة يسرت له أسباب الطاعات ، ومن خلق للنار يسرت له أسباب المعاصي ، وسلط عليه أقران السوء ، وألقى في قلبه حكم الشيطان ، فإنه بأنواع الحكم يغر الحمقى ، بقوله إن الله رحيم ، فلا تبال ، وإن الناس كلهم ما يخافون الله فلا تخالفهم ، وإن العمر طويل فاصبر حتى تتوب غدا ، يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا يعدهم التوبة ، ويمنيهم المغفرة ، فيهلكهم بإذن الله تعالى بهذه الحيل ، وما يجرى مجراها ، فيوسع قلبه لقبول الغرور ، ويضيقه عن قبول الحق ، وكل ذلك بقضاء من الله وقدر * ( فَمَنْ يُرِدِ الله أَنْ يَهْدِيَه ُ يَشْرَحْ صَدْرَه ُ لِلإِسْلامِ ومن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّه ُ يَجْعَلْ صَدْرَه ُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ ) * « 1 » * ( إِنْ يَنْصُرْكُمُ الله فَلا غالِبَ لَكُمْ وإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ من بَعْدِه ِ ) * « 2 » فهو الهادي والمضل يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، لا راد لحكمه ، فاستعملهم بالمعاصي عرف الخلق علامة أهل الجنة وأهل النار ، فقال * ( إِنَّ الأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ) * « 3 » ثم قال تعالى ، فيما روى عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، [ 1 ] « هؤلاء في الجنّة ولا أبالي وهؤلاء في النّار ولا أبالي » فتعالى الله الملك الحق لا يسأل عما يفعل وهم يسألون
--> « 1 » الانعام : 125 « 2 » آل عمران : 160 « 3 » الانفطار : 13