الغزالي

84

إحياء علوم الدين

فينسى فيه المروءة والتقوى . فكل ذلك لتصاعد دخان الهوى إلى القلب ، حتى يظلم وتنطفئ منه أنواره ، فينطفئ نور الحياء والمروءة والإيمان ، ويسعى في تحصيل مراد الشيطان القلب الثالث : قلب تبدو فيه خواطر الهوى فتدعوه إلى الشر ، فيلحقه خاطر الإيمان فيدعوه إلى الخير ، فتنبعث النفس بشهوتها إلى نصرة خاطر الشر ، فتقوى الشهوة وتحسّن التمتع والتنعم ، فينبعث العقل إلى خاطر الخير ، ويدفع في وجه الشهوة ، ويقبح فعلها ، وينسبها إلى الجهل ، ويشبهها بالبهيمة والسبع في تهجمها على الشر ، وقلة اكتراثها بالعواقب فتميل النفس إلى نصح العقل . فيحمل الشيطان حملة على العقل ، فيقوى داعي الهوى ، ويقول ما هذا التحرج البارد ؟ ولم تمتنع عن هواك فتؤذى نفسك ؟ وهل ترى أحدا من أهل عصرك يخالف هواه ، أو يترك غرضه ؟ أفنترك لهم ملاذ الدنيا يتمتعون بها ؟ وتحجر على نفسك حتى تبقى محروما شقيا متعوبا ، يضحك عليك أهل الزمان ؟ أفتريد أن يزيد منصبك على فلان وفلان ؟ وقد فعلوا مثل ما اشتهيت ، ولم يمتنعوا ؟ أما ترى العالم الفلاني ليس يحترز من مثل ذلك ؟ ولو كان ذلك شرا لامتنع منه ؟ فتميل النفس إلى الشيطان ، وتنقلب إليه فيحمل الملك حملة على الشيطان ، ويقول : هل هلك إلا من اتبع لذة الحال ، ونسي العاقبة ؟ أفتقنع بلذة يسيرة ؟ وتترك لذة الجنة ونعيمها أبد الآباد ؟ أم تستثقل ألم الصبر عن شهوتك ؟ ولا تستثقل ألم النار ؟ أتغتر بغفلة الناس عن أنفسهم ؟ واتباعهم هواهم ؟ ومساعدتهم الشيطان ؟ مع أن عذاب النار لا يخففه عنك معصية غيرك . أرأيت لو كنت في يوم صائف شديد الحر ووقف الناس كلهم في الشمس ، وكان لك بيت بارد ، أكنت تساعد الناس ؟ أو تطلب لنفسك الخلاص ؟ فكيف تخالف الناس خوفا من حر الشمس ، ولا تخالفهم خوفا من حر النار ؟ فعند ذلك تمتثل النفس إلى قول الملك . فلا يزال يتردد بين الجندين ، متجاذبا بين الحزبين . إلى أن يغلب على القلب ما هو أولى به فإن كانت الصفات التي في القلب الغالب عليها الصفات الشيطانية التي ذكرناها ، غلب الشيطان ، ومال القلب إلى جنسه من أحزاب الشيطان ، معرضا عن حزب الله تعالى وأوليائه ومساعدا لحزب الشيطان وأعدائه ، وجرى على جوارحه بسابق القدر ما هو سبب بعده