الغزالي
79
إحياء علوم الدين
كل ذلك من خلق الله تعالى . فمن أين يعجب به ! فيخنس الشيطان ، إذ لا يمكنه أن يقول ليس هذا من الله . فإن المعرفة والإيمان يدفعه . فهذا نوع من الوسواس ، ينقطع بالكلية عن العارفين المستبصرين بنور الإيمان والمعرفة الصنف الثاني : أن يكون وسواسه بتحريك الشهوة وهيجانها . وهذا ينقسم إلى ما يعلم العبد يقينا أنه معصية ، وإلى ما يظنه بغالب الظن . فإن علمه يقينا ، خنس الشيطان عن تهييج يؤثر في تحريك الشهوة ، ولم يخنس عن التهييج . وإن كان مظنونا ، فربما يبقى مؤثرا ، بحيث يحتاج إلى مجاهدة في دفعه ، فتكون الوسوسة موجودة ، ولكأنها مدفوعة غير غالبة الصنف الثالث : أن تكون وسوسة بمجرد الخواطر ، وتذكر الأحوال الغالبة ، والتفكر في غير الصلاة مثلا . فإذا أقبل على الذكر ، تصور أن يندفع ساعة ويعود ، ويندفع ويعود فيتعاقب الذكر والوسوسة ، ويتصور أن يتساوقا جميعا ، حتى يكون الفهم مشتملا على فهم معنى القراءة ، وعلى تلك الخواطر ، كأنهما في موضعين من القلب . وبعيد جدا أن يندفع هذا الخنس بالكلية بحيث لا يخطر . ولكنه ليس محالا . إذ قال عليه السلام [ 1 ] « من صلَّى ركعتين لم يحدّث فيهما نفسه بشيء من أمر الدّنيا غفر له ما تقدّم من ذنبه » فلو لا أنه متصور لما ذكره . إلا أنه لا يتصور ذلك إلا في قلب استولى عليه الحب ، حتى صار كالمستهتر . فإنا قد نرى المستوعب القلب بعد وتأذى به ، قد يتفكر بمقدار ركعتين وركعات في مجادلة عدوه ، بحيث لا يخطر بباله غير حديث عدوه . كذلك المستغرق في الحب ، قد يتفكر في محادثة محبوبه بقلبه ، ويغوص في فكره ، بحيث لا يخطر بباله غير حديث محبوبه . ولو كلمه غيره لم يسمع ولو اجتاز بين يديه أحد لكان كأنه لا يراه . وإذا تصور هذا في خوف من عدو ، وعند الحرص على مال وجاه ، فكيف لا يتصور من خوف النار والحرص على الجنة ! ولكن ذلك عزيز لضعف الإيمان باللَّه تعالى واليوم الآخر وإذا تأملت جملة هذه الأقسام وأصناف الوسواس ، علمت أن لكل مذهب من المذاهب وجها ، ولكن في محل مخصوص