الغزالي
80
إحياء علوم الدين
وبالجملة فالخلاص من الشيطان في لحظة أو ساعة غير بعيد . ولكن الخلاص منه عمرا طويلا بعيد جدا ، ومحال في الوجود . ولو تخلص أحد من وساوس الشيطان بالخواطر وتهييج الرغبة ، لتخلص رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقد روى [ 1 ] أنه نظر إلى علم ثوبه في الصلاة ، فلما سلم رمى بذلك الثوب ، وقال « شغلني عن الصّلاة » وقال « اذهبوا به إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانيّته » [ 2 ] وكان في يده خاتم من ذهب ، فنظر إليه وهو على المنبر ، ثم رمى به وقال « نظرة إليه ونظرة إليكم » وكان ذلك لوسوسة الشيطان ، بتحريك لذة النظر إلى خاتم الذهب وعلم الثوب . وكان ذلك قبل تحريم الذهب . فلذلك لبسه ثم رمى به . فلا تنقطع وسوسة عروض الدنيا ونقدها إلا بالرمي والمفارقة . فما دام يملك شيئا وراء حاجته ، ولو دينارا واحدا ، لا يدعه الشيطان في صلاته من الوسوسة في الفكر في ديناره ، وأنه كيف يحفظه ، وفي ما ذا ينفقه ، وكيف يخفيه حتى لا يعلم به أحد ، أو كيف يظهره حتى يتباهى به ، إلى غير ذلك من الوساوس . فمن أنشب مخالبه في الدنيا وطمع في أن يتخلص من الشيطان ، كان كمن انغمس في العسل ، وظن أن الذباب لا يقع عليه ، فهو محال . فالدنيا باب عظيم لوسوسة الشيطان . وليس له باب واحد ، بل أبواب كثيرة . قال حكيم من الحكماء : الشيطان يأتي ابن آدم من قبل المعاصي ، فإن امتنع أتاه من وجه النصيحة حتى يلقيه في بدعة . فإن أبي أمره بالتحرج والشدة ، حتى يحرم ما ليس بحرام . فإن أبي شككه في وضوئه وصلاته ، حتى يخرجه عن العلم . فإن أبي خفف عليه أعمال البر ، حتى يراه الناس صابرا عفيفا ، فتميل قلوبهم إليه ، فيعجب بنفسه ، وبه يهلكه وعند ذلك تشتد الحاجة ، فإنها آخر درجة ، ويعلم أنه لو جاوزها أفلت منه إلى الجنة .