الغزالي
78
إحياء علوم الدين
وقالت فرقة : لا تسقط الوسوسة ولا أثرها أيضا ، ولكن تسقط غلبتها للقلب ، فكأنه يوسوس من بعد وعلى ضعف . وقالت فرقة : ينعدم عند الذكر في لحظة ، وينعدم الذكر في لحظة ، ويتعاقبان في أزمنة متقاربة ، يظن لتقاربها أنها متساوقة . وهي كالكرة التي عليها نقط متفرقة ، فإنك إذا أدرتها بسرعة ، رأيت النقط دوائر ، بسرعة تواصلها بالحركة . واستدل هؤلاء بأن الخنس قد ورد ، ونحن نشاهد الوسوسة مع الذكر ، ولا وجه له إلا هذا وقالت فرقة : الوسوسة والذكر يتساوقان في الدوام على القلب تساوقا لا ينقطع . وكما أن الإنسان قد يرى بعينيه شيئين في حالة واحدة ، فكذلك القلب قد يكون مجرى لشيئين فقد قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « ما من عبد إلَّا وله أربعة أعين عينان في رأسه يبصر بهما أمر دنياه وعينان في قلبه يبصر بهما أمر دينه » وإلى هذا ذهب المحاسبي . والصحيح عندنا أن كل هذه المذاهب صحيحة ، ولكن كلها قاصرة عن الإحاطة بأصناف الوسواس . وإنما نظر كل واحد منهم . إلى صنف واحد من الوسواس فأخبر عنه ، والوسواس أصناف الأول : أن يكون من جهة التلبيس بالحق . فإن الشيطان قد يلبس بالحق فيقول للإنسان تترك التنعم باللذات ، فإن العمر طويل ، والصبر عن الشهوات طول العمر ألمه عظيم . فعند هذا إذا ذكر العبد عظيم حق الله تعالى ، وعظيم ثوابه وعقابه ، وقال لنفسه الصبر عن الشهوات شديد ، ولكن الصبر على النار أشد منه ، ولا بد من أحدهما . فإذا ذكر العبد وعد الله تعالى ووعيده ، وجدد إيمانه ويقينه ، خنس الشيطان وهرب . إذ لا يستطيع أن يقول له النار أيسر من الصبر على المعاصي . ولا يمكنه أن يقول المعصية لا تفضي إلى النار فإن إيمانه بكتاب الله عز وجل يدفعه عن ذلك ، فينقطع وسواسه . وكذلك يوسوس إليه بالعجب بعمله ، فيقول أي عبد يعرف الله كما تعرفه ؟ ويعبده كما تعبده ؟ فما أعظم مكانك عند الله تعالى ! فيتذكر العبد حينئذ أن معرفته وقلبه وأعضاءه التي بها عمله وعلمه ،