الغزالي

6

إحياء علوم الدين

بل هو موجود للميت . ونحن إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب لم نعن به ذلك ، فإنه قطعة لحم لا قدر له ، وهو من عالم الملك والشهادة ، إذ تدركه البهائم بحاسة البصر فضلا عن الآدميين والمعنى الثاني : هو لطيفة ربانية روحانية ، لها بهذا القلب الجسماني تعلق . وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسان ، وهو المدرك العالم العارف من الإنسان ، وهو المخاطب والمعاقب والمعاتب والمطالب ، ولها علاقة مع القلب الجسماني ، وقد تحيرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته ، فإن تعلقه به يضاهي تعلق الأعراض بالأجسام ، والأوصاف بالموصوفات أو تعلق المستعمل للآلة بالآلة ، أو تعلق المتمكن بالمكان وشرح ذلك مما نتوقاه لمعنيين أحدهما : أنه متعلق بعلوم المكاشفة ، وليس غرضنا من هذا الكتاب إلا علوم المعاملة والثاني : أن تحقيقه يستدعى إفشاء سر الروح ، وذلك مما [ 1 ] لم يتكلم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فليس لغيره أن يتكلم فيه والمقصود أنا إذا أطلقنا لفظ القلب في هذا الكتاب ، أردنا به هذه اللطيفة . وغرضنا ذكر أوصافها وأحوالها ، لا ذكر حقيقتها في ذاتها . وعلم المعاملة يفتقر إلى معرفة صفاتها وأحوالها ، ولا يفتقر إلى ذكر حقيقتها اللفظ الثاني : الروح ، وهو أيضا يطلق فيما يتعلق بجنس غرضنا لمعنيين . أحدهما : جسم لطيف ، منبعه تجويف القلب الجسماني ، فينشر بواسطة العروق الضوارب إلى سائر أجزاء البدن . وجريانه في البدن ، وفيضان أنوار الحياة والحس والبصر والسمع والشم منها على أعضائها ، يضاهي فيضان النور من السراج الذي يدار في زوايا البيت ، فإنه لا ينتهى إلى جزء من البيت إلا ويستنير به ، والحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان ، والروح مثالها السراج ، وسريان الروح وحركته في الباطن مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محركه . والأطباء إذا أطلقوا لفظ الروح أرادوا به هذا المعنى ، وهو بخار لطيف أنضجته حرارة القلب ، وليس شرحه من غرضنا ، إذ المتعلق به غرض الأطباء الذين يعالجون الأبدان . فأما غرض أطباء الدين ، المعالجين للقلب حتى ينساق إلى جوار رب العالمين