الغزالي
7
إحياء علوم الدين
فليس يتعلق بشرح هذه الروح أصلا . المعنى الثاني : هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان ، وهو الذي شرحناه في أحد معاني القلب ، وهو الذي أراده الله تعالى بقوله * ( قُلِ الرُّوحُ من أَمْرِ رَبِّي ) * « 1 » وهو أمر عجيب رباني ، تعجز أكثر العقول والأفهام عن درك حقيقته . اللفظ الثالث : النفس ، وهو أيضا مشترك بين معان ، ويتعلق بغرضنا منه معنيان أحدهما : أنه يراد به المعنى الجامع لقوة الغضب والشهوة في الإنسان ، على ما سيأتي شرحه وهذا الاستعمال هو الغالب على أهل التصوف ، لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان ، فيقولون لا بد من مجاهدة النفس وكسرها ، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام [ 1 ] « أعدى عدوّك نفسك الَّتي بين جنبيك » المعنى الثاني : هي اللطيفة التي ذكرناها ، التي هي الإنسان بالحقيقة ، وهي نفس الإنسان وذاته ، ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها . فإذا سكنت تحت الأمر ، وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات ، سميت النفس المطمئنة . قال الله تعالى في مثلها * ( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ) * « 2 » والنفس بالمعنى الأول لا يتصور رجوعها إلى الله تعالى ، فإنها مبعدة عن الله ، وهي من حزب الشيطان وإذا لم يتم سكونها ، ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية ، ومعترضة عليها ، سميت النفس اللوامة ، لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاه . قال الله تعالى * ( ولا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ) * « 3 » وإن تركت الاعتراض ، وأذعنت وأطاعت لمقتضى الشهوات ودواعي الشيطان ، سميت النفس الأمارة بالسوء . قال الله تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام أو امرأة العزيز * ( وما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) * « 4 » وقد يجوز أن يقال المراد بالأمارة بالسوء هي النفس بالمعنى الأول . فإذا النفس بالمعنى الأول مذمومة غاية الذم وبالمعنى الثاني محمودة ، لأنها نفس الإنسان ، أي ذاته وحقيقته العالمة باللَّه تعالى وسائر المعلومات
--> « 1 » الاسراء : 85 « 2 » الفجر : 27 « 3 » القيامة : 2 « 4 » يوسف : 52