الغزالي

57

إحياء علوم الدين

إذا غضبت ، فإنه إذا غضب الإنسان نفخت في أنفه ، فما يدرى ما يصنع . واذكرني حين تلقى الزحف ، فإني آتى ابن آدم حين يلقى الزحف ، فأذكره زوجته وولده وأهله حتى يولى وإياك أن تجلس إلى امرأة ليست بذات محرم ، فإني رسولها إليك ورسولك إليها ، فلا أزال حتى أفتنك بها وأفتنها بك فقد أشار بهذا إلى الشهوة والغضب والحرص ، فإن الفرار من الزحف حرص على الدنيا ، وامتناعه من السجود لآدم ميتا هو الحسد ، وهو أعظم مداخله وقد ذكر أن بعض الأولياء قال لإبليس ، أرني كيف تغلب ابن آدم ، فقال آخذه عند الغضب وعند الهوى . فقد حكى أن إبليس ظهر لراهب ، فقال له الراهب ، أي أخلاق بني آدم أعون لك ؟ قال الحدّة . فإن العبد إذا كان حديدا قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة . وقيل إن الشيطان يقول كيف يغلبني ابن آدم وإذا رضى جئت حتى أكون في قلبه ، وإذا غضب طرت حتى أكون في رأسه ! ومن أبوابه العظيمة الحسد والحرص . فمهما كان العبد حريصا على كل شيء ، أعماه حرصه وأصمه . إذ قال صلى الله عليه وسلم [ 1 ] « حبّك للشّيء يعمى ويصمّ » ونور البصيرة هو الذي يعرف مداخل الشيطان . فإذا غطاه الحسد والحرص لم يبصر . فحينئذ يجد الشيطان فرصة ، فيحسن عند الحريص كل ما يوصله إلى شهوته ، وإن كان منكرا وفاحشا فقد روى أن نوحا عليه السلام لما ركب السفينة ، حمل فيها من كل زوجين اثنين كما أمره الله تعالى . فرأى في السفينة شيخا لم يعرفه ، فقال له نوح ، ما أدخلك ؟ فقال دخلت لأصيب قلوب أصحابك ، فتكون قلوبهم معي وأبدانهم معك . فقال له نوح أخرج منها يا عدو الله فإنك لعين . فقال له إبليس ، خمس أهلك بهن الناس ، وسأحدثك منهن بثلاث ولا أحدثك باثنتين . فأوحى الله تعالى إلى نوح أنه لا حاجة لك بالثلاث ، فليحدثك بالاثنتين فقال له نوح ما الاثنتان ؟ فقال هما اللتان لا تكذبانى ، هما اللتان لا تخلفانى ، بهما أهلك الناس الحرص والحسد . فبالحسد لعنت ، وجعلت شيطانا رجيما . وأما الحرص ، فإنه أبيح لآدم الجنة كلها إلا الشجرة فأصبت حاجتي منه بالحرص