الغزالي

58

إحياء علوم الدين

ومن أبوابه العظيمة الشبع من الطعام ، وإن كان حلالا صافيا . فإن الشبع يقوى الشهوات ، والشهوات أسلحة الشيطان . فقد روى أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا عليهما السلام ، فرأى عليه معاليق من كل شيء ، فقال له يا إبليس ، ما هذه المعاليق ؟ قال هذه الشهوات التي أصبت بها ابن آدم . فقال فهل لي فيها من شيء ؟ قال ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة وعن الذكر . قال فهل غير ذلك ؟ قال لا . قال لله علىّ أن لا أملأ بطني من الطعام أبدا ، فقال له إبليس ، ولله علىّ أن لا أنصح مسلما أبدا ويقال في كثرة الأكل ست خصال مذمومة أولها : أن يذهب خوف الله من قلبه الثاني : أن يذهب رحمة الخلق من قلبه ، لأنه يظن أنهم كلهم شباع والثالث : أنه يثقل عن الطاعة والرابع : أنه إذا سمع كلام الحكمة لا يجد له رقة والخامس : أنه إذا تكلم بالموعظة والحكمة لا يقع في قلوب الناس والسادس : أن يهيج فيه الأمراض ومن أبوابه حب التزين من الأثاث والثياب والدار . فإن الشيطان إذا رأى ذلك غالبا على قلب الإنسان ، باض فيه وفرخ ، فلا يزال يدعوه إلى عمارة الدار ، وتزيين سقوفها وحيطانها ، وتوسيع أبنيتها ، ويدعوه إلى التزين بالثياب والدواب ، ويستسخره فيها طول عمره ، وإذا أوقعه في ذلك فقد استغنى أن يعود إليه ثانية ، فإن بعض ذلك يجره إلى البعض فلا يزال يؤديه من شيء إلى شيء إلى أن يساق إليه أجله فيموت ، وهو في سبيل الشيطان واتباع الهوى ، ويخشى من ذلك سوء العاقبة بالكفر . نعوذ باللَّه منه ومن أبوابه العظيمة الطمع في الناس ، لأنه إذا غلب الطمع على القلب ، لم يزل الشيطان يحبب إليه التصنع والتزين لمن طمع فيه ، بأنواع الرياء والتلبيس ، حتى يصير المطموع فيه كأنه معبوده . فلا يزال يتفكر في حيلة التودد والتحبب إليه ، ويدخل كل مدخل للوصول إلى ذلك ، وأقل أحواله الثناء عليه بما ليس فيه ، والمداهنة له بترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فقد روى صفوان بن سليم ، أن إبليس تمثل لعبد الله بن حنظلة ، فقال له يا ابن حنظلة احفظ عنى شيئا أعلمك به . فقال لا حاجة لي به ، قال انظر فإن كان خيرا أخذت ، وإن كان