الغزالي

46

إحياء علوم الدين

من مشاهدة اليقين ، فالتفت إلى شماله فقال ، ما تقول رحمك الله ؟ ثم التفت إلى يمينه فقال ما تقول رحمك الله ؟ ثم أطرق إلى صدره وقال ، ما تقول رحمك الله ؟ ثم أجاب بأغرب جواب سمعته ، فسألته عن التفاته فقال ، لم يكن عندي في المسألة جواب عتيد ، فسألت صاحب الشمال فقال لا أدرى ، فسألت صاحب اليمين وهو أعلم منه فقال لا أدرى ، فنظرت إلى قلبي وسألته فحدثني بما أجبتك ، فإذا هو أعلم منهما . وكأن هذا هو معنى قوله عليه السلام « إنّ في أمّتى محدّثين ، وإنّ عمر منهم » وفي الأثر أن الله تعالى يقول ، أيما عبد اطلعت على قلبه فرأيت الغالب عليه التمسك بذكرى ، توليت سياسته وكنت جليسه ، ومحادثه وانيسه . وقال أبو سليمان الداراني رحمة الله عليه ، القلب بمنزلة القبة المضروبة ، حولها أبواب مغلقة ، فأي باب فتح له عمل فيه . فقد ظهر انفتاح باب من أبواب القلب إلى جهة الملكوت والملإ الأعلى . وينفتح ذلك الباب بالمجاهدة والورع ، والإعراض عن شهوات الدنيا . ولذلك كتب عمر رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد ، احفظوا ما تسمعون من المطيعين ، فإنهم ينجلي لهم أمور صادقة . وقال بعض العلماء ، يد الله على أفواه الحكماء ، لا ينطقون إلا بما هيأ الله لهم من الحق . وقال آخر ، لو شئت لقلت إن الله تعالى يطلع الخاشعين على بعض سره . بيان تسلط الشيطان على القلب بالوسواس ومعنى الوسوسة وسبب غلبتها اعلم أن القلب كما ذكرناه مثال قبة مضروبة ، لها أبواب ، تنصب إليه الأحوال من كل باب . ومثاله أيضا مثال هدف ، تنصب إليه السهام من الجوانب . أو هو مثال مرآة منصوبة تجتاز عليها أصناف الصور المختلفة ، فتتراءى فيها صورة بعد صورة ولا تخلو عنها . أو مثال حوض ، تنصب فيه مياه مختلفة ، من أنهار مفتوحة إليه . وانما مداخل هذه الآثار المتجددة في القلب في كل حال ، أما من الظاهر فالحواس الخمس ، وأما من الباطن فالخيال والشهوة والغضب ، والأخلاق المركبة من مزاج الإنسان ، فإنه إذا أدرك بالحواس شيئا حصل