الغزالي

47

إحياء علوم الدين

منه أثر في القلب ، وكذلك إذا هاجت الشهوة مثلا بسبب كثرة الأكل ، وبسبب قوة في المزاج ، حصل منها في القلب أثر ، وإن كف عن الإحساس . فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى ، وينتقل الخيال من شيء إلى شيء ، وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال آخر . والمقصود أن القلب في التغير والتأثر دائما من هذه الأسباب وأخص الآثار الحاصلة في القلب هو الخواطر ، وأعنى بالخواطر ما يحصل فيه من الأفكار والأذكار ، وأعنى به إدراكاته علوما إما على سبيل التجدد ، وإما على سبيل التذكر ، فإنها تسمى خواطر ، من حيث إنها تخطر بعد أن كان القلب غافلا عنها . والخواطر هي المحركات للإرادات . فإن النية والعزم والإرادة ، إنما تكون بعد خطور المنوي بالبال لا محالة ، فمبدأ الأفعال الخواطر ، ثم الخاطر يحرك الرغبة ، والرغبة تحرك العزم ، والعزم يحرك النية ، والنية تحرك الأعضاء والخواطر المحركة للرغبة تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر ، أعنى إلى ما يضر في العاقبة ، وإلى ما يدعو إلى الخير ، أعنى إلى ما ينفع في الدار الآخرة . فهما خاطران مختلفان ، فافتقرا إلى اسمين مختلفين . فالخطر المحمود يسمى إلهاما ، والخطر المذموم ، أعنى الداعي إلى الشر ، يسمى وسواسا . ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة ، ثم أن كل حادث فلا بد له من محدث ومما اختلفت الحوادث دل ذلك على اختلاف الأسباب هذا ما عرف من سنة الله تعالى في ترتيب المسببات على الأسباب . فمهما استنارت حيطان البيت بنور النار ، وأظلم سقفه واسود بالدخان ، علمت أن سبب السواد غير سبب الاستنارة . وكذلك لأنوار القلب وظلمته سببان مختلفان ، فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى ملكا ، وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا . واللطف الذي يتهيأ به القلب لقبول إلهام الخير يسمى توفيقا ، والذي به يتهيأ لقبول وسواس الشيطان يسمى إغواء وخذلانا . فإن المعاني المختلفة تفتقر إلى أسام مختلفة . والملك عبارة عن خلق خلقه الله تعالى شأنه إفاضة الخير ، وإفادة العلم ، وكشف الحق ، والوعد بالخير ، والأمر بالمعروف . وقد خلقه وسخره لذلك . والشيطان عبارة عن خلق شأنه ضد ذلك ، وهو الوعد بالشر ، والأمر بالفحشاء ، والتخويف عند الهم بالخير بالفقر . فالوسوسة في مقابلة الإلهام ، والشيطان