الغزالي

45

إحياء علوم الدين

وما حكى من تفرس المشايخ ، وإخبارهم عن اعتقادات الناس وضمائرهم يخرج عن الحصر ، بل ما حكي عنهم من مشاهدة الخضر عليه السلام والسؤال منه سماع صوت الهاتف ومن فنون الكرامات خارج عن الحصر . والحكاية لا تنفع الجاحد ما لم يشاهد ذلك من نفسه ، ومن أنكر الأصل أنكر التفصيل والدليل القاطع الذي لا يقدر أحد على جحده أمران : أحدهما : عجائب الرؤيا الصادقة ، فإنه ينكشف بها الغيب . وإذا جاز ذلك في النوم فلا يستحيل أيضا في اليقظة . فلم يفارق النوم اليقظة إلا في ركود الحواس ، وعدم اشتغالها بالمحسوسات ، فكم من مستيقظ غائص لا يسمع ولا يبصر لاشتغاله بنفسه . الثاني : إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيب وأمور في المستقبل ، كما اشتمل عليه القرءان . وإذا جاز ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم جاز لغيره إذ النبي عبارة عن شخص كوشف بحقائق الأمور ، وشغل بإصلاح الخلق ، فلا يستحيل أن يكون في الوجود شخص مكاشف بالحقائق ، ولا يشتغل بإصلاح الخلق . وهذا لا يسمى نبيا ، بل يسمى وليا ، فمن آمن بالأنبياء ، وصدق بالرؤيا الصحيحة ، لزمه لا محالة أن يقر بأن القلب له بابان ، باب إلى خارج وهو الحواس . وباب إلى الملكوت من داخل القلب ، وهو باب الإلهام والنفث في الروع والوحي فإذا أقر بهما جميعا لم يمكنه أن يحصر العلوم في التعلم ومباشرة الأسباب المألوفة ، بل يجوز أن تكون المجاهدة سبيلا إليه . فهذا ما ينبه على حقيقة ما ذكرناه ، من عجيب تردد القلب بين عالم الشهادة وعالم الملكوت . وأما السبب في انكشاف الأمر في المنام بالمثال المحوج إلى التعبير ، وكذلك تمثل الملائكة للأنبياء والأولياء بصور مختلفة ، فذلك أيضا من أسرار عجائب القلب ، ولا يليق ذلك إلا بعلم المكاشفة . فلنقتصر على ما ذكرناه فإنه كاف للاستحثاث على المجاهدة وطلب الكشف منها ، فقد قال بعض المكاشفين ، ظهر لي الملك ، فسألني أن أملى عليه شيئا من ذكرى الخفي عن مشاهدتى من التوحيد ، وقال ما نكتب لك عملا ، ونحن نحب أن نصعد لك بعمل تتقرب به إلى الله عز وجل ، فقلت ألستما تكتبان الفرائض ؟ قالا بلى قلت فيكفيكما ذلك . وهذه إشارة إلى أن الكرام الكاتبين لا يطلعون على أسرار القلب ، وإنما يطلعون على الأعمال الظاهرة . وقال بعض العارفين ، سألت بعض الأبدال عن مسألة