الغزالي
39
إحياء علوم الدين
وسيلة وقربة إلى الله تعالى . وأما ما حصله من نفس العلم ، وما حصله من الصفاء والاستعداد لقبول نفس العلم ، فلا غنى به عنه ، ولا سعادة لأحد إلا بالعلم والمعرفة ، وبعض السعادات أشرف من بعض ، كما أنه لا غنى إلا بالمال ، فصاحب الدرهم غنى ، وصاحب الخزائن المترعة غنى ، وتفاوت درجات السعداء بحسب تفاوت المعرفة والإيمان ، كما تتفاوت درجات الأغنياء بحسب قلة المال وكثرته . فالمعارف أنوار ، ولا يسعى المؤمنون إلى لقاء الله تعالى إلا بأنوارهم قال الله تعالى * ( يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبِأَيْمانِهِمْ ) * « 1 » وقد روى في الخبر [ 1 ] « إنّ بعضهم يعطى نورا مثل الجبل وبعضهم أصغر حتّى يكون آخرهم رجلا يعطى نورا على إبهام قدميه فيضيء مرّة وينطفئ أخرى فإذا أضاء قدّم قدميه فمشى وإذا طفئ قام ومرورهم على الصّراط على قدر نورهم ، فمنهم من يمرّ كطرف العين ومنهم من يمرّ كالبرق ومنهم من يمرّ كالسّحاب ومنهم من يمرّ كانقضاض الكواكب ومنهم من يمرّ كالفرس إذا اشتدّ في ميدانه والَّذي أعطى نورا على إبهام قدمه يحبو حبوا على وجهه ويديه ورجليه يجرّ يدا ويعلَّق أخرى ويصيب جوانبه النّار فلا يزال كذلك حتّى يخلص » الحديث . فبهذا يظهر تفاوت الناس في الإيمان ولو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالمين سوى النبيين والمرسلين لرجح . فهذا أيضا يضاهي قول القائل : لو وزن نور الشمس بنور السرج كلها لرجح ، فإيمان آحاد العوام نوره مثل نور السراج ، وبعضهم نوره كنور الشمع ، وإيمان الصديقين نوره كنور القمر والنجوم ، وإيمان الأنبياء كالشمس . وكما ينكشف في نور الشمس صورة الآفاق مع اتساع أقطارها ، ولا ينكشف في نور السراج إلا زاوية ضيقة من البيت فكذلك تفاوت انشراح الصدر بالمعارف ، وانكشاف سعة الملكوت لقلوب العارفين . ولذلك جاء في الخبر [ 2 ] « أنّه يقال يوم القيامة أخرجوا من النّار من كان في قلبه مثقال
--> « 1 » الحديد : 12