الغزالي
40
إحياء علوم الدين
ذرّة من إيمان ونصف مثقال وربع مثقال وشعيرة وذرّة « كل ذلك تنبيه على تفاوت درجات الإيمان ، وإن هذه المقادير من الإيمان لا تمنع دخول النار . وفي مفهومه أن من إيمانه يزيد على مثقال فإنه لا يدخل النار ، إذ لو دخل لأمر بإخراجه أولا وأن من في قلبه ذرة لا يستحق الخلود في النار وإن دخلها . وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] » ليس شيء خيرا من ألف مثله إلَّا الإنسان المؤمن « إشارة إلى تفضيل قلب العارف باللَّه تعالى الموقن . فإنه خير من ألف قلب من العوام وقد قال تعالى * ( وأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » 1 « تفضيلا للمؤمنين على المسلمين والمراد به المؤمن العارف دون المقلد . وقال عز وجل * ( يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ » 2 « فأراد هاهنا بالذين آمنوا الذين صدقوا من غير علم ، وميزهم عن الذين أوتوا العلم . ويدل ذلك على أن اسم المؤمن يقع على المقلد ، وإن لم يكن تصديقه عن بصيرة وكشف . وفسر ابن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى * ( والَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ » 3 « فقال يرفع الله العالم فوق المؤمن بسبعمائة درجة ، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض وقال صلى الله عليه وسلم [ 2 ] » أكثر أهل الجنّة البله وعلَّيّون لذوي الألباب « وقال صلى الله عليه وسلم [ 3 ] » فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي « وفي رواية » كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب « فبهذه الشواهد يتضح لك تفاوت درجات أهل الجنة بحسب تفاوت قلوبهم ومعارفهم . ولهذا كان يوم القيامة يوم التغابن ، إذ المحروم من رحمة الله عظيم الغبن والخسران ، والمحروم يرى فوق درجته درجات عظيمة ، فيكون نظره إليها كنظر الغنى الذي يملك عشرة دراهم ،
--> « 1 » آل عمران : 139 « 2 » المجادلة : 11 « 3 » المجادلة : 11