الغزالي
38
إحياء علوم الدين
القيامة خفافا « ثم قال في وصفهم إخبارا عن الله تعالى » ثمّ أقبل بوجهي عليهم أترى من واجهته بوجهي يعلم أحد أيّ شيء أريد أن أعطيه « ثم قال تعالى » أَوَّلُ ما أُعْطِيهِمْ أَنْ أَقْذِفَ النُّورَ في قُلُوبِهِمْ فَيُخْبِرُونَ عَنِّى كَمَا أُخْبِرُ عَنْهُمْ « ومدخل هذه الأخبار هو الباب الباطن فإذا الفرق بين علوم الأولياء والأنبياء ، وبين علوم العلماء والحكماء هذا ، وهو أن علومهم تأتي من داخل القلب ، من الباب المنفتح إلى عالم الملكوت ، وعلم الحكمة يأتي من أبواب الحواس ، المفتوحة إلى عالم الملك . وعجائب عالم القلب ، وتردده بين عالمي الشهادة والغيب ، لا يمكن أن يستقصى في علم المعاملة ، فهذا مثال يعلمك الفرق بين مدخل العالمين المثال الثاني يعرفك الفرق بين العملين ، أعنى عمل العلماء ، وعمل الأولياء ، فإن العلماء يعملون في اكتساب نفس العلوم ، واجتلابها إلى القلب ، وأولياء الصوفية يعملون في جلاء القلوب ، وتطهيرها وتصفيتها وتصقيلها فقط فقد حكي أن أهل الصين وأهل الروم . وتباهوا بين يدي بعض الملوك بحسن صناعة النقش والصور ، فاستقر رأى الملك على أن يسلم إليهم صفة ، لينقش أهل الصين منها جانبا وأهل الروم جانبا ، ويرخي بينهما حجاب يمنع اطلاع كل فريق على الآخر . ففعل ذلك . فجمع أهل الروم من الأصباغ الغريبة ما لا ينحصر ، ودخل أهل الصين من غير صبغ ، وأقبلوا يجلون جانبهم ويصقلونه . فلما فرغ أهل الروم ، ادعى أهل الصين أنهم قد فرغوا أيضا ، فعجب الملك من قولهم ، وأنهم كيف فرغوا من النقش من غير صبغ . فقيل وكيف فرغتم من غير صبغ ؟ فقالوا ما عليكم ، ارفعوا الحجاب ، فرفعوا ، وإذا بجانبهم يتلألأ منه عجائب الصنائع الرومية ، مع زيادة إشراق وبريق ، إذ كان قد صار كالمرآة المجلوة لكثرة التصقيل فازداد حسن جانبهم بمزيد التصقيل . فكذلك عناية الأولياء بتطهير القلب وجلائه . وتزكيته وصفائه ، حتى يتلألأ فيه جلية الحق بنهاية الإشراق ، كفعل أهل الصين . وعناية الحكماء والعلماء بالاكتساب ، ونقش العلوم ، وتحصيل نقشها في القلب . كفعل أهل الروم فكيفما كان الأمر فقلب المؤمن لا يموت ، وعلمه عند الموت لا يمحى ، وصفاؤه لا يتكدر . وإليه أشار الحسن رحمة الله عليه بقوله : التراب لا يأكل محل الإيمان . بل يكون