الغزالي

22

إحياء علوم الدين

يمدّها الماء الطَّيّب ومثل النّفاق فيه كمثل القرحة يمدّها القيح والصّديد فأيّ المادّتين غلبت عليه حكم له بها « وفي رواية » ذهبت به « قال الله تعالى * ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ من الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ » 1 « فأخبر أن جلاء القلب وإبصاره يحصل بالذكر . وأنه لا يتمكن منه إلا الذين اتقوا . فالتقوى باب الذكر ، والذكر باب الكشف ، والكشف باب الفوز الأكبر ، وهو الفوز بلقاء الله تعالى بيان مثل القلب بالإضافة إلى العلوم خاصة اعلم أن محل العلم هو القلب ، أعنى اللطيفة المدبرة لجميع الجوارح ، وهي المطاعة المخدومة من جميع الأعضاء ، وهي بالإضافة إلى حقائق المعلومات كالمرآة بالإضافة إلى صور المتلونات . فكما أن للمتلون صورة ، ومثال تلك الصورة ينطبع في المرآة ويحصل بها ، كذلك لكل معلوم حقيقة ، ولتلك الحقيقة صورة تنطبع في مرآة القلب وتتضح فيها . وكما أن المرآة غير ، وصور الأشخاص غير ، وحصول مثالها في المرآة غير ، فهي ثلاثة أمور ، فكذلك هاهنا ثلاثة أمور ، القلب ، وحقائق الأشياء ، وحصول نفس الحقائق في القلب وحضورها فيه . فالعالم عبارة عن القلب الذي فيه يحل مثال حقائق الأشياء ، والمعلوم عبارة عن حقائق الأشياء ، والعلم عبارة عن حصول المثال في المرآة وكما أن القبض مثلا يستدعى قابضا كاليد ، ومقبوضا كالسيف ، ووصولا بين السيف واليد بحصول السيف في اليد ويسمى قبضا ، فكذلك وصول مثال المعلوم إلى القلب يسمى علما . وقد كانت الحقيقة موجودة ، والقلب موجودا ، ولم يكن العلم حاصلا ، لأن العلم عبارة عن وصول الحقيقة إلى القلب . كما أن السيف موجود ، واليد موجودة ، ولم يكن اسم القبض والأخذ حاصلا ، لعدم وقوع السيف في اليد نعم القبض عبارة عن وصول السيف بعينه في اليد ، والمعلوم بعينه لا يحصل في القلب ، فمن علم النار لم تحصل عين النار في قلبه ، ولكن الحاصل حدها وحقيقتها المطابقة لصورتها ، فتمثيله بالمرآة أولى ، لأن عين الإنسان لا تحصل في المرآة ، وإنما يحصل مثال مطابق له .

--> « 1 » الأعراف : 201